الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
303
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جملة ثانية معطوفة على جملة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ ، إلا أن الخبر بهذا لما كان معلوما للمخاطبين تعين أن يكون المراد من الإخبار لازم الفائدة ، أعني كتبناه عليكم ونحن عالمون أنه شاق عليكم ، وربما رجح هذا الوجه بقوله تعالى بعد هذا : وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . والكره بضم الكاف : الكراهية ونفرة الطبع من الشيء ومثله الكره بالفتح على الأصح ، وقيل : الكره بالضم المشقة ونفرة الطبع ، وبالفتح هو الإكراه وما يأتي على الإنسان من جهة غيره من الجبر على فعل ما بأذى أو مشقة ، وحيث قرئ بالوجهين هنا وفي قوله تعالى : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً [ الأحقاف : 15 ] ولم يكن هنا ولا هنا لك معنى للإكراه تعين أن يكون بمعنى الكراهية وإباية الطبع كما قال الحماسي العقيلي : بكره سراتنا يا آل عمرو * نغاديكم بمرهفة النّصال رووه بضم الكاف وبفتحها . على أن قوله تعالى بعد ذلك وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ الوارد مورد التذييل : دليل على أن ما قبله مصدر بمعنى الكراهية ليكون جزئيا من جزئيات أن تكرهوا شيئا . وقد تحمل صاحب « الكشاف » لحمل المفتوح في هذه الآية والآية الأخرى على المجاز ، وقرره الطيبي والتفتازاني بما فيه تكلف ، وإذ هو مصدر فالإخبار به مبالغة في تمكن الوصف من المخبر عنه كقول الخنساء : فإنما هي إقبال وإدبار أي تقبل وتدبر . وقيل : الكره اسم للشيء المكروه كالخبز . فالقتال كريه للنفوس ، لأنه يحول بين المقاتل وبين طمأنينته ولذّاته ونومه وطعامه وأهله وبيته ، ويلجئ الإنسان إلى عداوة من كان صاحبه ويعرضه لخطر الهلاك أو ألم الجراح ، ولكن فيه دفع المذلّة الحاصلة من غلبة الرجال واستضعافهم ، وفي الحديث « لا تمنّوا لقاء العدوّ فإذا لقيتم فاصبروا » ، وهو إشارة إلى أن القتال من الضرورات التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضر عظيم قال العقيلي : ونبكي حين نقتلكم عليكم * ونقتلكم كأنّا لا نبالي