الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
290
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هنا مجاز مستعمل في أمر اللّه النبي بتبليغ الشريعة للأمة . و ( النبيئين ) جمع نبيء وهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبأ وهو الخبر المهم ، لأن اللّه أخبره بالوحي وعلم ما فيه صلاح نفسه وصلاح من ينتسب إليه ، فإن أمره بتبليغ شريعة الأمة فهو رسول فكل رسول نبيء ، والقرآن يذكر في الغالب النبي مرادا به الرسول ، وقد ورد أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا لا يعلم تفصيلهم وأزمانهم إلّا اللّه تعالى قال تعالى : وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [ الفرقان : 38 ] وقال : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [ الإسراء : 17 ] . وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر . والمراد بالنبيين هنا خصوص الرسل منهم بقرينة قوله فَبَعَثَ وبقرينة الحال في قوله : مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، لأن البشارة والإنذار من خصائص الرسالة والدعوة وبقرينة ما يأتي من قوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الآية . فالتعريف في ( النبيين ) للاستغراق وهو الاستغراق الملقب بالعرفي في اصطلاح أهل المعاني . والبشارة : الإعلام بخير حصل أو سيحصل ، والنذارة بكسر النون الإعلام بشر وضر حصل أو سيحصل ، وذلك هو الوعد والوعيد الذي تشتمل عليه الشرائع . فالرسل هم الذين جاءوا بالوعد والوعيد ، وأما الأنبياء غير الرسل فإن وظيفتهم هي ظهور صلاحهم بين قومهم حتى يكونوا قدوة لهم ، وإرشاد أهلهم وذويهم ومريديهم للاستقامة من دون دعوة حتى يكون بين قومهم رجال صالحون ، وإرشاد من يسترشدهم من قومهم ، وتعليم من يرونه أهلا لعلم الخير من الأمة . ثم هم قد يجيئون مؤيدين لشريعة مضت كمجيء إسحاق ويعقوب والأسباط لتأييد شريعة إبراهيم عليه السلام ، ومجيء أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لتأييد التوراة ، وقد لا يكون لهم تعلق بشرع من قبلهم كمجيء خالد بن سنان العبسي نبيئا في عبس من العرب . وقوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ ، الإنزال : حقيقته تدلية الجسم من علو إلى أسفل ، وهو هنا مجاز في وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه ، وذلك أن الوحي جاء من قبل اللّه تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد للرسل في جانب له علو منزلة . وأضاف مع إلى ضمير النبيئين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، ولمن جاء مؤيدا لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى .