الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

291

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكتاب هو المكتوب ، وأطلق في اصطلاح الشرع على الشريعة لأن اللّه يأمر الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها ، وإطلاق الكتاب عليها قد يكون حقيقة إن كانت الشريعة في وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله تعالى : ألم ذلِكَ الْكِتابُ [ البقرة : 1 - 2 ] على أحد الوجهين المتقدمين هنالك ، وقد يكون مجازا على الوجه الآخر ، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية . والمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان ، لأن حقيقة المعية هي المقارنة في المكان وهي المصاحبة ، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به من التأييد والنصر قال تعالى : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 20 ] وفي الحديث « ومعك روح القدس » . والتعريف في الكتاب للاستغراق ، أي وأنزل مع النبيئين الكتب التي نزلت كلها وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع ، فالمعنى أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك . وإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب ، لأن المفرد والجمع في مقام الاستغراق سواء ، وقد تقدم مع ما في الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيئين ؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا العهد ، وجوز صاحب « الكشاف » كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد كتابه . والضمير في لِيَحْكُمَ راجع إلى الكتاب فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز عقلي ، لأنه مبين ما به الحكم ، أو فعل يحكم مجاز في البيان . ويجوز رجوع الضمير إلى اسم الجلالة أي أنزل اللّه الكتاب ليحكم بينهم إسناد الحكم مجاز عقلي ، لأنه المسبب له والأمر بالقضاء به ، وتعدية ( يحكم ) ببين لأنه لم يعين فيه محكوم له أو عليه . وحكم الكتاب بين الناس بيان الحق والرشد والاستدلال عليه ، وكونه فيما اختلفوا فيه كناية عن إظهاره الحق ، لأن الحق واحد لا يختلف فيه إلّا عن ضلال أو خطأ ، ولهذا قال جمهور علمائنا إن المصيب في الاجتهاديات واحد . وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ .