الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

153

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ . حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها اللّه تعالى للأمة ، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها ، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردا فردا ؛ إذ منها يتكون المجتمع . وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى غرض آخر ، وافتتحت بيا أيها الذين آمنوا لما في النداء من إظهار العناية بما سيقال بعده . والقول في معنى كُتِبَ عَلَيْكُمُ ودلالته على الوجوب تقدم آنفا عند قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ [ البقرة : 180 ] الآية . والصيام - ويقال الصوم - هو في اصطلاح الشرع : اسم لترك جميع الأكل وجميع الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر اللّه أو لقصد التقرب بنذر للتقرب إلى اللّه . والصيام اسم منقول من مصدر فعال وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة ، وقياس المصدر الصوم ، وقد ورد المصدران في القرآن ، فلا يطلق الصيام حقيقة في اللغة إلّا على ترك كل طعام وشراب ، وألحق به في الإسلام ترك قربان كل النساء ، فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء لم يكن صياما كما قال العرجي : فإن شئت حرّمت النساء سواكم * وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا وللصيام إطلاقات أخرى مجازية كإطلاقه على إمساك الخيل عن الجري في قول النابغة : خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما وأطلق على ترك شرب حمار الوحش الماء ، وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجترائها بالمرعى الرطب : حتى إذا سلخا جمادى ستّة * جزءا فطال صيامه وصيامها والظاهر أن اسم الصوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والشرب بقصد القربة فقد