الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

154

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء كما سنذكره . وقول الفقهاء : إن الصوم في اللغة مطلق الإمساك ، وإن إطلاقه على الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي ، لا يصح ، لأنه مخالف لأقوال أهل اللغة كما في « الأساس » وغيره ، وأما إطلاق الصوم على ترك الكلام في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى : فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مريم : 26 ] فليس إطلاقا للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم كان يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل . فالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني ، أي كتب عليكم جنس الصيام المعروف . وقد كان العرب يعرفون الصوم ، فقد جاء في « الصحيحين » عن عائشة قالت : « كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية » وفي بعض الروايات قولها : « وكان رسول اللّه يصومه » وعن ابن عباس « لما هاجر رسول اللّه إلى المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال ما هذا ، فقالوا : هذا يوم نجّى اللّه فيه موسى ، فنحن نصومه فقال رسول اللّه : نحن أحق بموسى منكم فصام وأمر بصومه » فمعنى سؤاله هو السؤال عن مقصد اليهود من صومه لا تعرف أصل صومه ، وفي حديث عائشة « فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وقال رسول اللّه من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء لم يصمه فوجب صوم يوم عاشوراء بالسنة ثم نسخ ذلك بالقرآن فالمأمور به صوم معروف زيدت في كيفيته المعتبرة شرعا قيود تحديد أحواله وأوقاته بقوله تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ إلى قوله حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [ البقرة : 187 ] - وقوله - شَهْرُ رَمَضانَ [ البقرة : 185 ] الآية ، وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 185 ] وبهذا يتبين أن في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ إجمالا وقع تفصيله في الآيات بعده . فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها ، ولم يكن صيامنا مماثلا لصيامهم تمام المماثلة . فقوله : كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات ، والتشبيه يكتفى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد ، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة ، ولكن فيهم أغراضا ثلاثة تضمنها التشبيه : أحدها الاهتمام بهذه العبادة ، والتنويه بها لأنها شرعها اللّه قبل الإسلام لمن كانوا