الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
6
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المجال ، وأحجم عن الزجّ بسية قوسي في هذا النضال . اتقاء ما عسى أن يعرّض له المرء نفسه من متاعب تنوء بالقوة ، أو فلتات سهام الفهم وإن بلغ ساعد الذهن كمال الفتوّة ، فيقيت أسوّف النفس مرة ومرة أسومها زجرا ، فإن رأيت منها تصميما أحلتها على فرصة أخرى ، وأنا آمل أن يمنح من التيسير ، ما يشجّع على قصد هذا الغرض العسير ، وفيما أنا بين إقدام وإحجام ، أتخيل هذا الحقل مرّة القتاد وأخرى الثّمام ؛ إذا أنا بأملي قد خيل إليّ أنه تباعد أو انقضى ، إذا قدر أن تسند إليّ خطة القضا « 1 » ، فبقيت متلهفا ولات حين مناص ، وأضمرت تحقيق هاته الأمنية متى أجمل اللّه الخلاص ، وكنت أحادث بذلك الأصحاب والإخوان ، وأضرب المثل بأبي الوليد ابن رشد في كتاب « البيان » « 2 » ، ولم أزل كلما مضت مدة يزداد التمني وأرجو إنجازه ، إلى أن أوشك أن تمضي عليه مدة الحيازة ، فإذا اللّه قد منّ بالنقلة إلى خطة الفتيا « 3 » ، وأصبحت الهمة مصروفة إلى ما تنصرف إليه الهمم العليا ، فتحوّل إلى الرجاء ذلك اليأس ، وطمعت أن أكون ممن أوتي الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس « 4 » . هنا لك عقدت العزم على تحقيق ما كنت أضمرته ، واستعنت باللّه تعالى واستخرته ، وعلمت أن ما يهول من توقع كلل أو غلط ، لا ينبغي أن يحول بيني وبين نسج هذا النمط ، إذا بذلت الوسع من الاجتهاد ، وتوخيت طرق الصواب والسداد . أقدمت على هذا المهم إقدام الشجاع على وادي السّباع « 5 » ؛ متوسطا في معترك أنظار
--> كلامهم ينبه إلى تقويم ما ذكروه ، والمفسر هنا مراد به الجنس . ( 1 ) في 26 رمضان 1331 ه والقضاء هنا بالقصر لمراعاة السجع . ( 2 ) حيث ذكر أنه شرع فيه ، ثم عاقه عنه تقليد خطة القضاء بقرطبة فعزم على الرجوع إليه إن أريح من القضاء ، وأنه عرض عزمه على أمير المؤمنين علي بن يوسف ابن تاشفين ، فأجابه لذلك وأعفاه من القضاء ليعود إلى إكمال كتابه « البيان والتحصيل » وهذا الكتاب هو شرح جليل على كتاب « العتبية » الذي جمع فيه العتبي سماع أصحاب مالك منه ، وسماع أصحاب ابن القاسم منه . ( 3 ) في 26 رجب 1341 ه . ( 4 ) أردت الإشارة إلى الحديث : « لا حسد إلا في اثنتين » لأنه يتعين أن لا يكون المراد خصوص الجمع بين القضاء بها وتعليمها ، بل يحصل المقصود ولو بأن يقضى بها مدة ، ويعلمها الناس مدة أخرى . ( 5 ) وادي السباع موضع بين مكة والبصرة وهو واد قفر من السكان تكثر به السباع قال سحيم بن وثيل : مررت على وادي السباع ولا أرى * كوادي السباع حين يظلم واديا أقلّ به ركب أتوه تئيّة * وأخوف إلّا ما وقى اللّه ساريا