الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
21
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الشعر لإثبات صحة ألفاظ القرآن كما يقع من بعض الملاحدة ، روى أن ابن الراوندي « 1 » ( وكان يزنّ بالإلحاد ) قال لابن الأعرابي : « أتقول العرب لباس التقوى » فقال ابن الأعرابي لا بأس لا بأس ، وإذا أنجى اللّه الناس ، فلا نجّى ذلك الرأس ، هبك يا بن الراوندي تنكر أن يكون محمد نبيا أفتنكر أن يكون فصيحا عربيا ؟ » . ويدخل في مادة الاستعمال العربي ما يؤثر عن بعض السلف في فهم معاني بعض الآيات على قوانين استعمالهم ، كما روى مالك في « الموطأ » عن عروة بن الزبير قال : « قلت لعائشة - وأنا يومئذ حديث السن - : أرأيت قول اللّه تعالى . إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [ البقرة : 158 ] ، فما على الرجل شيء أن لا يطوف بهما ، فقالت عائشة : كلا لو كان كما تقول ، لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، إنما نزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة الطاغية ، وكانت مناة حذو قديد ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول اللّه عن ذلك ، فأنزل اللّه : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ الآية ا ه » ، فبينت له ابتداء طريقة استعمال العرب لو كان المعنى كما وهمه عروة ثم بينت له مثار شبهته الناشئة عن قوله تعالى : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ الذي ظاهره رفع الجناح عن الساعي الذي يصدق بالإباحة دون الوجوب . وأما الآثار فالمعنيّ بها ما نقل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من بيان المراد من بعض القرآن في مواضع الإشكال والإجمال ، وذلك شيء قليل . قال ابن عطية عن عائشة « ما كان رسول اللّه يفسر من القرآن إلا آيات معدودات علمه إياهن جبريل » ، وقال معناه في مغيبات القرآن وتفسير مجمله مما لا سبيل إليه إلا بتوقيف ، قلت : أو كان تفسيرا لا توقيف فيه ، كما بين لعدي بن حاتم أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هما سواد الليل وبياض النهار ، وقال له « إنك لعريض الوسادة » ، وفي رواية « إنك لعريض القفا » وما نقل عن الصحابة الذين شاهدوا نزول الوحي من بيان سبب النزول ، وناسخ ومنسوخ ، وتفسير مبهم ، وتوضيح واقعة من كل ما طريقهم فيه الرواية عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، دون الرأي وذلك مثل كون المراد من المغضوب عليهم اليهود ومن الضالين النصارى ، ومثل كون المراد من قوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] الوليد بن المغيرة المخزومي أبا خالد بن الوليد ،
--> ( 1 ) توفي سنة 240 ه .