الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
22
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكون المراد من قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [ مريم : 77 ] الآية ، العاصي بن وائل السهمي في خصومته بينه وبين خبّاب بن الأرت كما في « صحيح البخاري » في تفسير سورة المدّثر . قال ابن عباس : مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يمنعني إلا مهابته ، ثم سألته فقال هما حفصة وعائشة . ومعنى كون أسباب النزول من مادة التفسير ، أنها تعين على تفسير المراد ، وليس المراد أن لفظ الآية يقصر عليها ، لأن سبب النزول لا يخصص ، قال تقي الدين السبكي : وكما أن سبب النزول لا يخصص ، كذلك خصوص غرض الكلام لا يخصص ، كأن يرد خاص ثم يعقبه عام للمناسبة فلا يقتضي تخصيص العام ، نحو فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [ النساء : 128 ] وقد يكون المروي في سبب النزول مبيّنا ومؤوّلا لظاهر غير مقصود ، فقد توهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [ المائدة : 93 ] فاعتذر بها لعمر بن الخطاب في شرب قدامة خمرا ، روى أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال : إن قدامة شرب فسكر ، فقال عمر من يشهد على ما تقول ، قال الجارود أبو هريرة يشهد على ما أقول وذكر الحديث ، فقال عمر يا قدامة إني جالدك ، قال واللّه لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني ، قال عمر ولم ؟ قال لأن اللّه يقول : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ إلخ ، فقال عمر إنك أخطأت التأويل يا قدامة ، إذا اتقيت اللّه اجتنبت ما حرم اللّه . وفي رواية فقال لم تجلدني ! بيني وبينك كتاب اللّه ، فقال عمر وأي كتاب اللّه تجد أن لا أجلدك ؟ قال : إن اللّه يقول في كتابه : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخر الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا ، شهدت مع رسول اللّه بدرا وأحدا والخندق والمشاهد ، فقال عمر ألا تردون عليه قوله ! فقال ابن عباس ، إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين وحجة على الباقين ، فعذر الماضين بأنهم لقوا اللّه قبل أن تحرم عليهم الخمر ، وحجة على الباقين لأن اللّه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [ المائدة : 90 ] ، ثم قرأ إلى آخر الآية الأخرى ، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا فإن اللّه قد نهى أن يشرب الخمر ، قال عمر صدقت . الحديث » . وتشمل الآثار إجماع الأمة على تفسير معنى ، إذ لا يكون إلا عن مستند كإجماعهم