محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

243

كشف الأسرار النورانية القرآنية

إلى آخرها تفسير ابن عباس الزرع هاهنا بجميع الحبوب التي يقتات بها والدليل عليه قوله تعالى : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا [ يوسف : الآية 47 ] . إلى آخرها وقوله : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [ الأنعام : الآية 95 ] . إلى آخرها وفيه قولان . ( الأول ) : ما روى عن ابن عباس وهو قول الضحاك ومقاتل : فالق الحب والنوى أي خالق الحب والنوى قال الواحدي : ذهبوا بفالق الحب مذهب فاطر وأقول : الفطر هو الشق وكذلك ، الفلق فالشيء قبل أن يدخل في الوجود كان عدما محضا ونفيا صرفا ، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق ، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه ، وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع . ( والقول الثاني ) : وهو قول الأكثر : إن الفلق هو الشق والحب هو الذي يكون مقصودا بذاته مثل حب الحنطة والشعير وسائر الأنواع ، والنوى هو الشيء الموجود في داخل الثمر مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما ، إذا عرفت ذلك فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ، ثم مر بها قدر من المدة أظهر اللّه تعالى في تلك الحبة أو النواة من أعلاها شقا ومن أسفلها شقا ، فالذي من أعلاها تخرج من الريشة التي يتكون منها الساق ، والذي من أسفلها تنبت منه الحلمة التي يتكون منها الجذر وهذا قد تقدم ذكره في كيفية الإنبات ، وأيضا فقد أودع الخالق في كل نوع من أنواع الحبوب خاصية أخرى ومنفعة أخرى ، وأيضا فقد تكون الثمرة الواحدة غذاء لحيوان وسما لحيوان آخر ، فاختلاف هذه الصفات والأشكال والأحوال مع الطبائع وتأثيرات الكواكب يدل على أنها كلها إنما حصلت بتخليق الفاعل المختار ، ولنبين لك اختلاف الصفات والأشكال فنقول : إذا أخذت ورقة واحدة من أوراق الشجرة وجدت لها سطحين : ( أحدهما ) : علوي أملس ذو لون أخضر داكن مغطى ببشرة شديدة الالتصاق تظهر فيها مسام قشرية قليلا بالنسبة للسطح السفلي . ( وثانيهما ) : السطح السفلي وهو مغطى بوبر غالبا ولونه ، يكون ناصعا بالنسبة للسطح العلوي ، وبشرته قليلة الالتصاق بالمنسوج الخلوي ، وهذا السطح مغطى عادة بفتحات صغيرة تسمى بالمسام القشرية وتوجد فيه أيضا الخطوط الواضحة التي تسمى بالأعصاب وليست الأعضاء المذكورة إلا استطالة من الذنيب ، ويمكن الوقوف على حقيقة ذلك إذا أمعنا النظر وكان الفحص بانتباه ، ففي الحقيقة أنه يوجد عصب متوسط يمر في جميع طول الورقة