محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

244

كشف الأسرار النورانية القرآنية

ويقسمها على جزءين ، ثم يتفرع على أعصاب صغيرة تتجه اتجاهات مختلفة وهي المسماة بالأوردة ، وهذه تكون شبكة الورقة وفي بعض الأحوال هذه الأوعية تخرج من حافة الورقة وتكون شوكا واخزا جدا كما في شرابة الراعي وغيرها ، ووظائف الأوراق كأنها عضو التنفس للنبات ؛ لأنها تشترك في تغذية النبات ، ولولا ذلك لما صلح غذاء النبات لأنها في الحقيقة تمتص من الجو الأصول المغذية التي توجد فيه فيحصل بواسطتها تأثير عظيم في الأصول المذكورة فتحلل تركيبها وتنوعها بالكلية ، ثم تطرد المواد الغير النافعة للتغذية إلى الخارج فلما وقفت على عناية الخالق في إيجاد تلك الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل ، وعرفت أيضا أن عنايته في تكوين جملة النبات أتم ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل وأتم ، ولما علمت وأن المقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان عملت أن عنايته بتخليق الإنسان ، أعظم وأكمل وأتم ، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده ، والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة كما قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : الآية 56 ] . فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة واعرف كيفية تخليق تلك العروق والأوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر له وفضل اللّه تعالى وعطاؤه واسع يظهر لك أن أنواع نعم اللّه تعالى في حقك غير متناهية كما قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : الآية 34 ] . وكل ذلك إنما يظهر من التأمل والفحص في كيفية تخليق تلك الورقة من الحبة أو النواة وفي هذا البحث مسائل : ( المسألة الأولى ) في قوله تعالى : لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ( 15 ) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ( 16 ) . ( اعلم ) أن كل شيء ينبت من الأرض إما أن يكون له ساق ، وإما أن لا يكون له ساق ، فإن لم يكن له ساق ، فإما أن يكون له كمام وهو الحب ، وإما أن لا يكون له كمام وهو الحشيش ، وهو المراد هاهنا بقوله : وَنَباتاً [ النّبإ : الآية 15 ] . وإلى هذين القسمين الإشارة بقوله تعالى : كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [ طه : الآية 54 ] . وأما الذي له ساق فهو الشجر ، فإذا اجتمع منها شيء كثير سميت جنات فثبت بالدليل العقلي انحصار ما ينبت في الأرض في هذه الأقسام الثلاثة ، وإنما قدم اللّه تعالى الحب ؛ لأنه هو الأصل في الغذاء ، وإنما ثنى بالنبات لاحتياج سائر الحيوانات إليه ، وإنما أخر الجنات في الذكر ، لأن الحاجة إلى الفواكه ليست ضرورية ، وهاهنا نذكر الفصائل