محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
242
كشف الأسرار النورانية القرآنية
تعالى : وَلا تُسْرِفُوا [ الأنعام : الآية 141 ] . فاعلم أن لأهل اللغة في تفسير الإسراف قولين : ( الأول ) : قال ابن الأعرابي : السرف تجاوز ما حد لك . ( الثاني ) : قال شمر سرف المال ما ذهب منه من غيره منفعة إذا عرفت هذا ، فنقول للمفسرين فيه أقوال : ( الأول ) : إن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف ؛ لأنه جاء في الخبر ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ( وروي ) أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمسمائة نخلة فجذها ثم قسمها في يوم واحد ولم يدخل منها إلى منزله شيئا فأنزل اللّه تعالى قوله : وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا [ الأنعام : الآية 141 ] . أي ولا تعطوا كله . ( والثاني ) : قال سعيد بن المسيب : لا تسرفوا أي لا تمنعوا الصدقة ، وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول مجاوزة الحد في الإعطاء ، والثاني مجاوزته في المنع . ( والثالث ) : قال مقاتل : معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام ، وهذا أيضا من باب المجاوزة لأن من أشرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حد له . ( الرابع ) : قال الزهري معناه : لا تنفقوا في معصية اللّه تعالى . قال مجاهد : لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقه رجل في طاعة اللّه تعالى لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما في معصية اللّه كان مسرفا ، وهذا المعنى أراده حاتم الطائي حين قيل له لا خير في السرف فقال : لا سرف في الخير ، وهذا على القول الثاني في معنى السرف ؛ فإن من أنفق في معصية اللّه ، فقد أنفق فيما لا نفع فيه ، ثم قال تعالى : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [ الأنعام : الآية 141 ] . والمقصود منه الزجر ، لأن كل مكلف لا يحبه اللّه تعالى فهو من أهل النار ، والدليل عليه قوله تعالى : وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [ المائدة : الآية 18 ] . فدل هذا على أن كل من أحبه اللّه فليس هو من أهل النار ، وذلك يفيد من بعض الوجوه أن من لم يحبه اللّه فهو من أهل النار . ( مقالة مهمة ) قد تقدم في الآيتين السابقتين وهما قوله تعالى : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ [ النّحل : الآية 11 ] . إلى آخرها ، وقوله تعالى : وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ [ الأنعام : الآية 141 ]