محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

82

كشف الأسرار النورانية القرآنية

مدة الحمل الذي يمكن فيه أن يكون الجنين قابلا للمعيشة ؟ فنقول : نهايته ستة أشهر على رأي بعضهم ، أو أنه لا يمتع بالقابلية الحقيقية إلا في الشهر السابع ، والقانون عندهم أن الطفل المولود قبل مائة وثمانين يوما من وقت بناء الزوج بزوجته يجوز للزوج أن ينفيه عنه إذا اشتهر كونه قابلا للحياة ، فنقول بالنص : إن قابليته الحياة تبتدئ مع الشهر السابع ، وهذا القانون بالنظر للأمر الشرعي من الحكم الجليلة ، وليس شيء أعدل منه ، لكن لا يدل بوجه من الوجوه على أن الجنين لا يكون أبدا قابلا لذلك قبل آخر الشهر السادس ، ولا أنه يكون دائما قابلا للمعيشة في ابتداء السابع ، فالذي يدلنا على قابلية المعيشة للجنين هي درجة الإتقان الذي وصل له لا زمن الحمل ، ولما كان نمو الجنين غير ثابت الحال جاز أن يكون الطفل ذو الثمانية أشهر أقل كمالا في هذه القابلية من طفل له سبعة أشهر ، وهناك مشاهدات كثيرة تدل على أن بعض الأجنة ولدوا صغار الحجم جدا ، بل منهم من ولد لأربعة أشهر ونصف ، قال الفيسولوجيون : لا يمكن ذلك ، ثم ذكروا مشاهدات يعسر نقضها الآن ، وإنما يكون الجنين قابلا للمعيشة إذ كان ناميا كفاية بحيث يمكنه أن يحرك أطرافه ويصيح ويتنفس بسهولة ، ويكون رأسه مغطى ، أو ابتداء في أن يتغطى بشعر جلده غير شفاف ، ومغطى بزغب ، وعلى سطحه طلاء دهني ، ومعظم عظام الجمجمة متلامسة الحوافي ، فتكون الدروز واليوافيخ في رأسه ضيقة ، ويخرج منه العقي والبول مجاورة الأجزاء المختلفة جسمه ، وأقطارها قريبة لما يشاهد طبيعة في التام الاعتيادي لا أن قبوله للمعيشة يسبب كونه كمل له سبعة أشهر أو أكثر ، فبمقتضى ذلك ليست العلة لعدم قابليته كونه ولد قبل الشهرين الأخيرين من حمله ، وإنما العلة هي عدم الصياح وضعف التنفس والحركات وعدم إمكان مسكه حلمة الثدي ، وعدم تفريقه عقيه وبوله ، ورخاوة عظام الجمجمة وتباعدها عن بعضها ، وعدم وجود الشعر أو قتله جدا ، وشفافية الجلد ولونه الأحمر ، وجود الطلاء الدهني ، وقلة سموكة الأظافر ، ونحو ذلك مما يدل على أن أعضاءه بعيدة عن درجة الكمال اللازم لحفظ الحياة الظاهرة . « المسألة الثانية » : في قوله تعالى : وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ [ الحجّ : الآية 5 ] . وذلك كالدلالة على أن فيه ما لا يقره في الرحم وهو السقط ، فنقول : إن ذلك لا يمنع من صحة ما ذكرنا آنفا في كون المضغة مخلقة وغير مخلقة ؛ لأنه بعد أن تتم خلقة البعض وتنقص خلقة البعض ؛ أي النشأة ، لا يجب أن يتكامل ذلك ، بل فيه ما يقرّه اللّه تعالى في الرحم وفيه ما لا يقرّه وإن كان قد أظهر فيه خلقة الإنسان فيكون من هذا الوجه قد دخل فيه السقط . وأما قوله : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ [ الحجّ : الآية 5 ] ففيه وجهان :