محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
81
كشف الأسرار النورانية القرآنية
الأمنيوس يملأ القصبة الرئوية والشعب للجنين ، وشاهد آخر مثل ذلك في أجنة كلية ملتفة بأغشيتها ، وتفعل حركات تمدد وانقباض في أجنحة الأنف وفي الصدر ، ويؤيد ذلك أيضا سماعهم صياح الجنين في بطن أمه ، لكن قد ذكروا أنه وجد في القنوات الهضمية وفي الرئتين جنين ميت ماء الأمنيوس ، وحفظ بعضهم حياة أجنة من الحيوانات بوضعها في ماء الأمنيوس ، وشاهد غيره دوام حياة جنين مدة من عشر دقائق إلى خمس عشرة خارجا عن الرحم مع أن أغشيته لم تنفجر ، غير أنه لم يشاهد حركة التنفس التي ذكرها بعضهم ، وذكر الفسيولوجيون أمرا واقعيا من جملة أمور يوضح هذه المسألة ، وذلك أن امرأة مكثت حاملا ستة أشهر كاملة فاتفق أنها ولدت بغتة ، وخرج الجنين كله ، وتلقاه بعض من الفسيولوجين فوضعه في إناء كبير مملوء بماء فاتر ، وكان يظهر من حال الجنين أنه لم يكن له أكثر من خمسة أشهر ونصف ، فتركت الأغشية سليمة ، ومكث الجنين في الماء حيّا مدّة ست وثلاثين دقيقة ، وبحثت في الأنف والفم والصدر والبطن مع غاية الانتباه ، فلم أشاهد حركة في الصدر ولا في غيره وإنما رأيت في الصدر رعشة خفيفة ناتجة من ضربات القلب هذا ما شاهدنا ، ويؤكد ذلك أيضا أن ماء الأمنيوس لا يدخل في القصبة ولا في المعدة . « المبحث الحادي عشر في صياح الأجنة في الأرحام » قد ذكروا أمثلة كثيرة في الحيوانات ، وفي النوع البشري أيضا لصياح الأجنة في بطون أمهاتها ، وسموه بالصياح الرحمي ، غير أن هذه الأمثلة من خرافات العامة ، نعم إذا انفجرت الأغشية ، وسالت المياه ، واتسعت الفوهة ، ودخل وجه الجنين في تقعير الفرج ، جاز أن يتنفس الجنين ويخرج منه صياح قبل أن يندفع كله إلى الخارج ، لكن ربما منع ذلك الضغط والحصر على صدره ، قال الفسيولوجيون : وقصاري الكلام في هذه المسألة أنه لو كان الجنين يتنفس حقيقة ، وينفذ الهواء في رئته لكانت الرئتان قابلتين لنفوذ الأشياء فيهما ، مع أنهما عندما تكونان - كما هو معلوم - مندمجتين ثقيلتين كقطعة من منسوج عضلي . « المبحث الثاني عشر في قابلية الجنين للمعيشة » قابلية الجنين للمعيشة معناها في الطب الشرعي إمكان اجتياز الجنين الأدوار المختلفة للحياة البشرية ، ويلزم لكون الطفل متصفا بهذه الصفة أن يكون معه عند الولادة استعداد طبيعي ؛ لأن يعيش غير متعلق بأمه ، فيعلم من التعريف أن الجنين المولود بعد كمال أشهره قد لا يكون قابلا للحياة إذا كان مصابا بعيب في التكوّن ، أو بمرض من الأمراض ، وإن الجنين قد يولد وهو قابل للحياة ، وإن مات في لحظة خروجه من بطن أمه ، فإن قيل : ما الزمن من