محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

80

كشف الأسرار النورانية القرآنية

« المبحث التاسع في التغيرات التي تحصل للجنين أواخر الحمل » اعلم أن التغيرات التي تحصل في دورة الجنين في أواخر الحمل ، وفي مدة الطلق ، وعند الولادة ما دام الجنين في بطن أمه تتم دورة الدم بالمسالك التي ذكرناها ، وكلما تقدّم الحمل وقرب الجنين لكمال نموه ضاق تقريبا ثقب الحاجز بين الأذنين والقناة الشريانية ، فلا يمر منها إلا مقدار يسير من الدم ، وأما معظمه فيذهب للرئتين ، ويكون ذلك هو ابتداء التغيرات المهمة التي يلزم أن تحصل فيما بعد ، ثم في ابتداء الطلق ينقص حجم العروق الرحمية المنضغطة من انقباضات العضو ، فلا تنقل للمشيمة إلا مقدارا قليلا من الدم ، ثم تنقطع الدورة بين الأم والجنين إما بانفصال المشيمة من الرحم ، أو بقوة الضغط عليها فلا يتحمل الوريد السري للجنين إلا قليلا من الدم أخذه من الشرايين السرية ، ومتى ولد الجنين حصل التنفس واتسعت الرئتان وصارت الدورة فيه كما في غيره فيند ثقب الحاجز والقناة الشريانية والأوعية السرية ، وتظهر كيفية أخرى للدورة مرتبطة بتنفس الطفل ، تدوم بدوامه وتنقطع بوقوفه . « المبحث العاشر في تنفس الجنين » هذه الوظيفة غير موجودة في الجنين ؛ لعدم وجود هواء في باطن الأم ، والهواء لازم للتنفس ، لكن لما ظهر لهم أن امتصاص الهواء لازم لحفظ حياة الكائنات الآتية ، اجتهدوا في إثبات أن جميع الحيوانات سواء البشر وغيرهم تتنفس مدة وجودها في بطون أمهاتها ، ففي النوع البشري قيل : إن المشيمة تأخذ الأوكسجين من دم الأم عندما يزول من دمها كثير من عناصره المختلفة الطبيعة كجزء من مصلة مثلا ، وهذا الرأي قديم وله من يؤيده الآن ، نعم يصح لأجل أن يعرف التغير الذي يحصل للدم في نفوذه من المشيمة أن يقال : هذا العمل بالتنفس مقابلة قهرية ، فالدم إذا دخل في الوريد السري يحصل فيه تنوّع ولا بدّ ، لكن لا يكون أكثر احمرار من الدم الذي في الشرايين ، فلا يقربه ذلك التغير من الدم الذي يمر من الشرايين للأوردة الرئوية ، واختار بعضهم أن الجنين يتشرب الهواء بجميع سطح جسمه بواسطة مسام كما في الحشرات بالطرق الرئوية التي يصح أن تشبه بالخياشيم ، فيتنفس كالأسماك لكن نقول : إن الغاز الذي اجتناه بعضهم في تجريباته لم يجده مركبا إلا من حمضين : « أزوتي وكربوني » ، فأظن أنه لا بأس أن نؤكد لك من جديد أن الشقوق التي زعموا وجودها في هذه الأزمنة الأخيرة نحو الأقسام النكفية لا وجود لها ، وتمسك بعضهم بأن الرئة لها فعل في ماء الأمنيوس فنفصل منه الهواء أو عنصرا غيره تفعل فعلا شبيها بالتنفس وأثبت آخرون أن السائل