ابن عجيبة

7

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قالوا : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً بأن نفى الألوهية التي كانت لآلهتهم وقصرها على واحد ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ؛ بليغ في العجب ، وذلك لأنه خلاف ما ألفوا عليه آباءهم ، الذين أطبقوا على عبادة آلهتهم ، كابرا عن كابر ، فإنّ مدار كلّ ما يأتون ويذرون ، من أمور دينهم ، هو التقليد والاعتياد ، فيعدون ما يخالف ما اعتادوه عجبا من العجاب ، بل محالا ، وأما جعل مدار تعجبهم عدم وفاء علم الواحد ، وقدرته بالأشياء الكثيرة ، فلا وجه له ؛ لأنهم لا يدّعون أن لآلهتهم علما وقدرة ومدخلا في حدوق شئ من الأشياء ، حتى يلزم من ألوهيتهم بقاء الأثر بلا مؤثر ، قاله أبو السعود منتقدا على البيضاوي . قال القشيري : لم تباشر خلاصة التوحيد قلوبهم ، وبعدوا عن ذلك تجويزا ، فضلا عن أن يكون إثباتا وحكما ، فلا عرفوا أولا معنى الإلهية ؛ فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع . وتقدير قادرين على ذلك غير صحيح ؛ لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه ، وذلك يمنع من كمالها ، ولو لم يكونا كاملى الوصف لم يكونا إلهين ، وكلّ من جرّ ثبوته لسقوطه فهو مطرح باطل . ه . روى أنه لما أسلم عمر رضي اللّه عنه فرح به المؤمنون ، وشقّ على قريش ، فاجتمع خمسة وعشرون نفسا من صناديدهم ، ومشوا إلى أبى طالب ، وقالوا : أنت كبيرنا ، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء - أي : الذين دخلوا في الإسلام - وجئناك لتقضى بيننا وبين ابن أخيك ، فاستحضر أبو طالب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي ؛ هؤلاء قومك يسألونك السواء ، فلا تمل كلّ الميل على قومك ، فقال - عليه الصلاة والسّلام - « ما ذا يسألونني » ؟ فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا ، وندعك وإلهك ، فقال - عليه الصلاة والسّلام : « أعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب ، وتدين لكم العجم » ، قالوا : نعم ، وعشرا « 1 » . قال : « قولوا : لا إله إلا اللّه » فقاموا ، وقالوا : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ « 2 » . قيل : العجب : ما له مثل ، والعجاب : لا مثل له . وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أي : وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبى طالب ، بعد ما بكّتهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالجواب ، وشاهدوا تصلبه - عليه الصلاة والسّلام - في الدين ، وعزيمته على إظهاره ، ويئسوا مما كانوا يرجونه ، بتوسط أبى طالب ، من المصالحة على الوجه المذكور ، قائلين أَنِ امْشُوا و « أن » تفسيرية ؛ لأن المنطلقين عن

--> ( 1 ) أي : نعطيكها وعشر كلمات معها . ( 2 ) أخرجه بنحوه أحمد في المسند ( 1 / 227 ، 362 ) والترمذي وحسّنه في ( التفسير - سورة ص ، ح 3232 ) والنّسائى في الكبرى ( التفسير 4 / 456 ) وابن حبان ( الموارد ح 1757 ) والطبري في التفسير ( 23 / 125 ) والبيهقي في السنن ( 9 / 188 ) . والواحدي في الأسباب ( ص 380 ) وصحّحه الحاكم ( 2 / 432 ) ووافقه الذهبي . عن ابن عباس رضي اللّه عنه .