ابن عجيبة

8

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ، أو يتفاوضوا فيما جرى لهم ، فكان انطلاقهم مضمنا معنى القول ، وقيل : ليس المراد بالانطلاق المشي ، بل انطلاق ألسنتهم بهذا الكلام ، كما أنه ليس المراد بالمشي المتعارف ، بل الاستمرار على المشي ، يعنى أنه على هذا القول : عبارة عن تفرقهم في طرق مكة ، وإشاعتهم للكفر . ه . أي : امشوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ أي : اثبتوا على عبادتها ، متحملين لما تسمعون في حقها من القدح . قال القشيري : إذا [ تواصى ] « 1 » الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم ، فالمأمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم ، والاستقامة في دينهم . ه . إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي : هذا الذي شاهدناه من محمد صلّى اللّه عليه وسلم من أمر التوحيد ، وإبطال أمر آلهتنا ، لشئ يراد إمضاؤه وتنفيذه ، من جهته - عليه الصلاة والسّلام - لا محالة ، من غير صارف يلويه ، ولا عاطف يثنيه ، لا قول يقال من طرف اللسان ، وأمر ترجى فيه المسامحة بشفاعة أو امتنان ، فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله عن رأيه ، بواسطة أبى طالب وشفاعته ، وحسبكم ألا تمنعوا من عباده ألهتكم بالكلية ، فاصبروا عليها ، وتحملوا ما تسمعون في حقها من القدح وسوء المقالة ، أو : إنّ هذا الأمر لشئ يريده اللّه تعالى ، ويحكم بإمضائه ، فلا مرد له ، ولا ينفع فيه إلا الصبر ، أو : إنّ هذا الأمر لشئ من نوائب الدهر ، يراد بنا ، فلا انفكاك لنا منه ، أو : إن دينكم لشئ يراد ، أي : يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه ، أو : إن هذا الذي يدعيه من التوحيد ، ويقصده من الرّئاسة ، والترفع على العرب والعجم ، لشئ يتمنى ، ويريده كلّ أحد . فتأمل هذه الأقاويل ، واختر منها ما يساعده النّظم الجليل . ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقوله من أمر التوحيد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أي : في ملة عيسى ، التي هي آخر الملل ؛ لأن النّصارى مثلثة غير موحدة ، أو : في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا ، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا من « هذا » ، أي : ما سمعنا بهذا من أهل الكتاب ولا الكهان كائنا في الملة المترقبة . ولقد كذبوا في ذلك أقبح كذب ؛ فإن حديث البعثة والتوحيد ، وإبطال عبادة الأصنام ، كان أشهر الأمور قبل الظهور . إِنْ هذا أي : ما هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أي : كذب ، اختلقه من تلقاء نفسه . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 8 إلى 11 ] أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ ( 8 ) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 ) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ ( 11 ) أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ أي : القرآن : مِنْ بَيْنِنا ونحن رؤساء النّاس وأشرافهم . أنكروا أن يختص بالشرف من بين أشرافهم ، وينزل عليه الكتاب من بينهم ، حسدا من عند أنفسهم ، كقولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 2 » . وأمثال هذه المقالات الباطلة دليل على أن مناط تكذيبهم ليس إلا الحسد ، وقصر النّظر على الحطام الدنيوية ، والعياذ باللّه .

--> ( 1 ) في الأصول [ توصوا ] . ( 2 ) الآية 31 من سورة الزخرف .