ابن عجيبة

21

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

منافعها ، واستدفاع مضارها ، ونصبنا لها للحق دلائل آفاقية ، ونفسية ، ومنحناها القدرة على الاستشهاد بها ، ثم لم نقتصر على ذلك المقدار من الألطاف ، بل أرسلنا إليها رسلا ، وأنزلنا عليها كتبا ، بيّنا فيها كيفية الأدب معنا ، وهيئة السير إلى حضرة قدسنا ، وقيّضنا لها جهابذة ، غاصوا على جواهر معانيها ، فاستخرجوا منها كيفية المعاملة معنا ، ظاهرا وباطنا ، وأوعدنا فيها بالعقاب لمن أعرض عنها ، ووعدنا بالثواب الجزيل لمن تمسك بها ، ولم نخلق شيئا باطلا . ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، الإشارة إلى خلق العبث ، والظن بمعنى المظنون ، أي : خلقها عبثا هو مظنون الذين كفروا ، وإنما جعلوا ظانين أنه خلقها للعبث ، وإن لم يصرحوا بذلك ؛ لأنه لمّا كان إنكارهم للبعث ، والثواب ، والحساب ، والعقاب ، التي عليها يدور فلك تكوين العالم ، مؤديا إلى خلقها عبثا ، جعلوا كأنهم يظنون ذلك ويقولونه ؛ لأن الجزاء هو الذي سيقت إليه الحكمة في خلق العالم ، فمن جحده فقد جحده الحكمة في خلق العالم . فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ، الفاء سببية ؛ لإفادة ثبوت الويل لهم على ظنهم الباطل ، وأظهر في موضع الإضمار للإشعار بأن الكفر علة ثبوت الويل لهم ، و « من النّار » : تعليلية ، كما في قوله : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ « 1 » أي : فويل لهم بسبب النّار المترتبة على ظنهم وكفرهم . أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، « أم » : منقطعة ، والاستفهام فيها للإنكار ، والمراد أنه لو بطل الجزاء - كما تقول الكفرة - لا ستوت أحوال أتقياء المؤمنين وأشقياء الكفرة ، ومن سوّى بينهما كان سفيها ، ولم يكن حكيما ، أي : بل أنجعل المؤمنين المصلحين كالكفرة المفسدين في أقطار الأرض ، كما يقتضيه عدم البعث وما يترتب عليه من الجزاء ؛ لاستواء الفريقين في التمتع في الحياة الدنيا ، بل الكفرة أوفر حظا فيها من المؤمنين ، مع صبر المؤمنين ، وتعبهم في مشاق الطاعات ، لكن ذلك الجعل محال ، فتعين البعث والجزاء ؛ لرفع الأولين إلى أعلى عليين ، وخفض الآخرين إلى أسفل سافلين . أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ؛ إنكار للتسوية بين الفريقين المذكورين ، وحمل الفجار على فجرة المؤمنين مما لا يساعده المقام ، ويجوز أن يراد بهذين الفريقين عين الأولين ، ويكون التكرير باعتبار وصفين آخرين ، هما أدخل في إنكار التسوية من الوصفين الأولين . وقيل : قالت قريش للمؤمنين : إنا نعطى من الخير يوم القيامة مثل ما تعطون ، فنزلت « 2 » .

--> ( 1 ) من الآية 79 من سورة البقرة . ( 2 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 7 / 87 ) .