ابن عجيبة
22
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : قال الورتجبي : ولمّا خرج داود من امتحان الحق وبلائه ، كساه خلعة الرّبوبية ، وألبسه لباس العزة والسلطنة ، كآدم خرج من البلاء ، وجلس في الأرض على بساط فلك الخلافة ، وذلك بعد كونهما متخلقين بخلق الرحمن ، مصوّرين بصورة الرّوح الأعظم ، فإذا تمكن داود في العشق ، والمحبة ، والنّبوة ، والرّسالة ، والتخلق ، صار أمره أمر الحق ، ونهيه نهى الحق . ه . وقال ابن عطية : لا يطلق خليفة اللّه إلا لنبي ، وإطلاقه في غير الأنبياء تجوّز وغلوّ . ه . قلت : يطلق عند الأولياء على من تحققت حريته ، ورسخت ولايته ، وظهر تصرفه في الوجود بالهمة ، حتى يكون أمره بأمر اللّه ، غالبا ، وهو مقام القطبانية ، فالمراتب ثلاث : صلاح ، وولاية ، وخلافة ، فالصلاح لمن صلح ظاهره بالتقوى ، والولاية لمن تحقق شهوده ، مع بقية من نفسه ، بحيث تقل عثراته جدا ، والخلافة لمن تحققت حريته ، وظهرت عصمته بجذب العناية . واللّه تعالى أعلم . وقوله تعالى : وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى ، الهوى : ما تهواه النّفس ، وتميل إليه ، من الحظوظ الفانية ، قلبية كانت ، كحب الجاه ، والمال ، وكالميل في الحكم عن صريح الحق ، أو : نفسانية ، كالتأنق في المآكل ، والمشارب ، والمناكح . واتباع الهوى : طلبه ، والسعي في تحصيله ، فإن كان حراما قدح في الإيمان ، وإن كان مباحا قدح في نور مقام الإحسان ، فإن تيسّر من غير طلب وتشوف ، وكان موافقا للسان الشرع ، جاز تناول الكفاية منه ، مع الشكر وشهود المنّة . قال عمر بن عبد العزيز : إذا وافق الحقّ الهوى ، كان كالزبد بالبرسام ، أي : الكسر . وفي الحكم : « لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك ، إنما يخاف من غلبة الهوى عليك » « 1 » وغلبة الهوى : قهره وسلطنته ، بحيث لا يملك نفسه عند هيجان شهوتها . وقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا أي : بل خلقناهما لنعرف بهما ، فما نصبت الكائنات لتراها ، بل لترى فيها مولاها . وقد تقدم هذا مرارا . ولا ينال هذا المقام إلا بعبادة التفكر والتدبر ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ سورة ص ( 38 ) : آية 29 ] كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) قلت : « كتاب » : خبر عن مضمر ، أي : هذا ، و « أنزلناه » : صفة له ، و « مبارك » : خبر ثان ، أو : صفة الكتاب ، و « لّيدبروا » : متعلق بأنزلناه .
--> ( 1 ) حكمة رقم 107 ، انظر الحكم بتبويب المتقى الهندي ص 17 .