ابن عجيبة
18
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ ؛ الشركاء الذين خلطوا أموالهم ، لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ؛ غير مراع لحق الصحبة والشركة ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ منهم ، فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان ، وَقَلِيلٌ ما هُمْ أي : وهم قليل . و « ما » : مزيدة للإبهام ، والتعجب من قلتهم . والجملة : اعتراض . وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ، الظن مستعار للعلم الاستدلالي ؛ لما بينهما من المشابهة الظاهرة ، أي : علم بما جرى في مجلس الحكومة ؛ وقيل : لمّا قضى بينهما نظر أحدهما إلى الآخر ، فضحك ، ثم صعدا إلى السماء فعلم عليه السّلام أنه تعالى ابتلاه . والقصر منصّب على الفتنة ، أي : علم أنما فعلناه به فتنة وامتحان . واختلف في سبب امتحانه ، قيل : لأنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وقال : يا رب أرى الخير كله ذهب به آبائي ، فأوحى إليه : إني ابتليتهم ، فصبروا فابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ولده ، وإسحاق بالذبح « 1 » . ويعقوب بالحزن على يوسف وذهاب بصره ، وأنت لم تبتل بشئ ، فقال : يا رب ابتلنى بمثل ما ابتليتهم به ، فابتلى بالمرأة « 2 » . وقيل : إنه ادعى القوة ، وقال : إنه لا يخاف من نفسه قط ، فامتحن ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب ؛ وَخَرَّ راكِعاً أي : ساجدا ، على تسمية السجود ركوعا ، أو : خرّ راكعا مصليا صلاة التوبة ، وَأَنابَ أي : رجع إلى اللّه بالتوبة ، روى : أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكى ، حتى نبت البقل من دموعه ، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دموع ، واشتغل بذلك عن الملك ، حتى وثب ابن له ، يقال له : « إيشا » على ملكه ودعا إلى نفسه ، واجتمع إليه أهل الزيغ من بني إسرائيل ، فلما غفر له حاربه فهزمه . ه . وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك ، خلافا للشافعي ، إلا أنه اختلف في مذهب مالك ؛ هل سجد عند قوله : وَأَنابَ أو عند قوله : وَحُسْنَ مَآبٍ . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري : أنه رأى في المنام شجرة تقرأ سورة « ص » ، فلما بلغت : « وأناب » سجدت ، وقالت : اللهم اكتب لي بها أجرا ، وحط عنى بها وزرا ، وارزقني بها شكرا ، وتقبلها منى كما تقبلتها من عبدك داود ، فقال له - عليه الصلاة والسّلام - « وسجدت أنت يا أبا سعيد ؟ » قلت : لا . قال : « كنت أحق بالسجود من الشجرة » ، ثم تلى نبي اللّه الآيات ، حتى بلغ : وَأَنابَ فسجد ، وقال كما قالت الشجرة « 3 » .
--> ( 1 ) تقدم أن الذبيح هو إسماعيل عليه السّلام ، راجع التعليق على تفسير الآيات : 99 - 111 من سورة الصافات . ( 2 ) انظر تفسير الطبري ( 23 / 146 ) والبغوي ( 7 / 78 ) . ( 3 ) أخرجه ، عن ابن عباس ، الترمذي في ( أبواب السفر ، باب ما يقول في سجود القرآن 3 / 472 - 473 - ح 579 ) ، وابن ماجة في ( إقامة الصلاة والسنة ، باب : سجود القرآن 1 / 334 ، ح 1053 ) والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي ، ( 1 / 219 - 220 ) والبغوي في تفسيره ( 7 / 86 ) قال - أي : ابن عباس - : جاء رجل إلى النّبى صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، إني رأيتى الليلة وأنا نائم كأني أصلى خلف شجرة ، فسجدت ، فسجدت الشجرة لسجودى . . إلخ الحديث . قال الترمذي : ( وفي الباب عن أبي سعيد ) قلت : حديث أبي سعيد الخدري عزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 572 ) لأبى يعلى .