ابن عجيبة

19

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ أي : ما استغفر منه . قال القشيري : ولمّا أوحى اللّه بالمغفرة ، قال : يا رب كيف بحديث الخصم ؟ - أي : الرجل الذي ظلمته - فقال : قد استوهبتك منه . ه . وفي رواية : إني أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ، فاستوهبك منه فيهبك لي ، قال : يا رب الآن قد عرفت أنك غفرت لي « 1 » . ه . قال تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى ؛ لقربى وكرامة بعد المغفرة ، وَحُسْنَ مَآبٍ ؛ مرجع في الجنة . الإشارة : إنما عوتب داود عليه السّلام لأنه التفت إلى الجمال الحسى الفرقى ، دون الجمال المعنوي الجمعي ، ولو سبته المعاني بجمالها ما التفت إلى الجمال الفرقى ، فلما نبّهه الحق تعالى استغفر ورجع إلى الجمال المعنوي ، الذي هو جمال الحضرة القدسية ، وعبارة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرّحمن الفاسي رضي اللّه عنه : عدّ عليه التفاته عن الجمال المطلق عن الأشكال والصور إلى المقيد بهما ، وهي مقام تفرقة ، لا مقام جمع ، فاستغفر ورجع إلى شهود الفاعل جمعا ، عن شهود فعله فرقا ، فخلع عليه خلعة الخلافة والله أعلم . ه . قال القشيري : قال داود عليه السّلام : يا رب إني أجد في التوراة أنك أعطيت الأنبياء الرّتب العالية ، فأعطينها ؟ فقال : إنهم صبروا لمّا ابتليتهم ، فوعد من نفسه الصبر إذا ابتلاه ، طمعا في مثل تلك الرّتب ، فأخبر أنه يبتليه يوم كذا ، فلما جاء ذلك اليوم دخل خلوته ، وأغلق أبوابه ، ولم يمكنه غلق باب السماء . وقد قال الحكماء : الهارب مما هو كائن في كف الطالب يتقلب . ثم إنه كان في البيت كوة ، يدخل منها النّور ، فدخل منها طير صغير ، كأنه من ذهب ، وكان لداود ولد صغير ، فهمّ أن يقبضه لابنه ، فمازال يحاوله ويتبعه حتى وقع بصره على المرأة ، فامتحن بها ، فلم يدع به الاهتمام بولده حتى فعل ما فعل ، وفي ذلك لأولى الأبصار عبرة . ه . وقال عند قوله : فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ : التجأ داود عليه السّلام في أوائل البلاء إلى التوبة ، والبكاء ، والتضرع ، والاستكانة ، فوجد المغفرة والتجاوز . وهكذا من رجع في أوائل الشدائد إلى اللّه ، فاللّه يكفيه ويتوب عليه ، و [ كذلك ] « 2 » من صبر إلى حين طالت عليه المحنة . ويقال : إن زلة قدّرها عليك ، توصلك إليه بندمك ، أحرى بك من طاعة ، إعجابك بها يقصيك عن ربك . ه . وفي الحكم : « معصية أورثت ذلا وافتقارا ، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : كل سوء أدب يثمر لك حسن أدب ؛ فهو أدب . ه .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 7 / 84 ) . ( 2 ) ما بين المعقوفتين مستدرك من لطائف الإشارات .