ابن عجيبة

11

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم هدد كفار قريش بقوله : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 12 إلى 15 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ( 12 ) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ( 14 ) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ( 15 ) يقول الحق جل جلاله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي : قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ نوحا ، وَعادٌ هودا وَفِرْعَوْنُ موسى ، ذُو الْأَوْتادِ ، قيل : كانت له أربعة أوتاد وحبال يلعب بها أو عليها بين يديه ، وقيل : كان يوتّد من يعذب بأربعة أوتاد في يديه ورجليه ، ويتركه حتى يموت . وقيل : كان يرسل عليه عقارب وحيات . وقيل : معناه : ذو الملك الثابت ، من : ثبات البيت المطنّب « 1 » بأوتاده ، فاستعير لرسوخ السلطنة ، واستقامة الأمر ، كقول الشاعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظلّ ملك ثابت الأوتاد « 2 » وَثَمُودُ وهم قوم صالح ، وَقَوْمُ لُوطٍ كذّبوا لوطا ، وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ ؛ أصحاب [ الغيضة ] « 3 » كذّبوا شعيبا عليه السّلام ، أُولئِكَ الْأَحْزابُ : بدل من الطوائف المذكورة . وفيه فضل تأكيد وتمهيد لما يعقبه ، وأراد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هؤلاء الطوائف ، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب ، ولذلك قال : إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ أي : ما كلّ أحد من آحاد أولئك الأحزاب ، أو : ما كلّ حزب منهم إلا كذّب الرسل ؛ لأن تكذيب واحد منهم تكذيب لجميعهم ؛ لاتفاق الكلّ على الحق ، أو : ما كلّ حزب إلا كذّب رسوله ، على نهج مقابل الجمع بالجمع . وأيّا ما كان فالاستثناء مفرغ من أعم [ العلل ] في خبر المبتدأ ، أي : ما كلّ أحد منهم محكوم عليه بحكم إلا أنه كذب الرّسل ، فَحَقَّ عِقابِ أي : فوجب لذلك أن أعاقبهم حق العقاب ، التي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات .

--> ( 1 ) خباء مطنب ، أي : مشدود بالأطناب ، والأطناب : ما يشد به البيت من الحبال بين الأرض والطرائق ، وقيل : هي الأوتاد ، واحدتها : طنب . انظر اللسان ( 4 / 2708 ) . ( 2 ) البيت للأسود بن يعفر . انظر غريب القرآن لابن قتيبة ( 2 / 100 ) ومعاني القرآن للنحاس ( 6 / 85 ) . ( 3 ) في الأصول الخطية [ الغيظة ] .