ابن عجيبة

12

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ أي : وما ينتظر أهل مكة . وفي الإشارة إليهم بهؤلاء ؛ تحقير لشأنهم ، وتهوين لأمرهم ، أي : وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب ، إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي النّفخة الثانية ؛ لما فيها من الشدة والهول ، فإنها داهية ، يعم هولها جميع الأمم ، برها وفاجرها . والمعنى : أنه ليس بينهم وبين حلول ما أعد اللّه لهم من العقاب إلا نفخة البعث ، أخرت عقوبتهم إلى الآخرة ؛ لأن حلولها بهم في الدنيا يوجب الاستئصال ، وقد قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ « 1 » ، فأخرت ليوم القيامة . وأما ما قيل من أنها النّفخة الأولى فمما لا وجه له ؛ لأنه لا يشاهد هولها ، ولا يصعق بها إلا من كان حيّا عند وقوعها . قاله أبو السعود . ما لَها مِنْ فَواقٍ أي : من توقّف مقدار فواق ، هو ما بين حلبتى الحالب ، أي : إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا القدر من الزمان . وعن ابن عباس : ما لها من رجوع وترداد ، من أفاق المريض : إذا رجع إلى الصحّة ، وفواق الناقة : ساعة يرجع الدرّ إلى ضرعها . يريد : أنها نفخة واحدة ، لا تثنى ، ولا تردد . والفواق بمعنى التأخر ، فيه لغتان : الفتح والضم ، وأما ما بين حلبتى النّاقة ، فبالضم فقط . الإشارة : ما جرى على مكذبي الرّسل يجرى في مكذّبى الأولياء ، إلّا أن عذابهم البعد والطرد ، وحرمان معرفة العيان . وباللّه التوفيق . ثم ذكر استعجالهم العذاب ، فقال : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 16 إلى 20 ] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 ) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 ) يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا أي : كفار مكة لمّا سمعوا بتأخير عقابهم إلى الآخرة : رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا أي : حظّنا من العذاب الذي وعدتنا به ، قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ولا تؤخره إلى الصيحة المذكورة . وفي القاموس : القط - بالكسر : النصيب ، والصّك ، وكتاب المحاسبة . ه . أو : عجّل لنا صحيفة أعمالنا لننظر فيها ، أو :

--> ( 1 ) من الآية 33 من سورة الأنفال .