ابن عجيبة

10

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أي : ما هم بمالكى خزائن الرّحمة حتى يصيبوا بها من شاءوا ، ويصرفوها عمن شاءوا ، ويختاروا للنبوة بعض صناديدهم ، ويترفّعوا بها عن محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنما يملك الرحمة وخزائنها العزيز القاهر على خلقه ، الوهّاب الكثير المواهب ، المصيب بها من يشاء . والمعنى : أن النّبوة عطية من اللّه تعالى ، يتفضل بها على من يشاء من عباده المصطفين ، لا مانع له ، فإنه الغالب ، الذي له أن يهب كل ما يشاء لكلّ من يشاء . وفي إضافة اسم الرّب المنبئ عن التربية والتبليغ إلى الكمال إلى ضميرة - عليه الصلاة والسّلام - من تشريفه واللطف به ما لا يخفى . أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي : بل ألهم ملك هذه العوالم العلوية والسفلية حتى يتكلموا في الأمور الرّبانية ، ويتحكموا في التدابير الإلهية ، التي اختصّ بها رب العزّة والكبرياء ؟ ثم تهكّم بهم غاية التهكم فقال : فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ، وهو جواب عن شرط مقدر ، أي : إن كان لهم ما ذكر من الملك ، ويملكون التصرف في قسمة الرّحمة ، فليصعدوا في المعارج والطرق التي يتوصّل بها إلى السماء ، حتى يدبروا أمر العالم وملكوت اللّه ، فينزلون الوحي إلى من يختارون ويستصوبون . والسبب ، في الأصل : ما يتوصل به إلى المطلوب . ثم وعد نبيه - عليه الصلاة والسّلام - بالنصر عليهم بقوله : جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ أي : هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرّسل مَهْزُومٌ ؛ مكسور عما قريب ، فلا تبال بما يقولون ، ولا تكترث بما يهذون . و « جند » : خبر ، أو : مبتدأ ، و « مهزوم » : خبره و « ما » : صلة مقوّية للنكرة . أو : للتقليل والتحقير . و « من الأحزاب » : متعلق بجند ، أو : بمهزوم ، و « هنالك » : إشارة إلى بدر ومصارعهم ، أو : إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم ، من قولهم لمن ينتدب لأمر وليس من أهله : لست هنالك . الإشارة : يقال في جانب أهل الغفلة : بل في شك من حلاوة ذكرى ومعرفتي ، حيث لم يذوقوا . قال إبراهيم ابن أدهم رضي اللّه عنه : ( خرج النّاس من الدنيا ولم يذوقوا شيئا ، قيل : وما فاتهم ؟ قال : حلاوة المعرفة ) . بل لمّا يذوقوا عذابي ، هو وبال القطيعة والبعد ، والانحطاط عن درجات المقربين ، وسيذوقونه إذا تحققت الحقائق ، حيث لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى اللّه بقلب سليم . ويقال في جانب من حسد أهل الخصوصية : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ . . . الآية .