ابن عجيبة

72

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : من آداب الفقراء مع شيخهم ألا يتحركوا لأمر إلا بإذنه ، أما أهل البدايات فيستأذنون في الجليل والحقير ، كقضية الفقير الذي وجد بعض الباقلاء - أي : الفول - في الطريق ، فأتى بها إلى الشيخ ، فقال : يا سيدي ما نفعل به ؟ فقال : اتركه ، حتى تفطر عليه ، فقال بعض الحاضرين : يستأذنك في الباقلاء ؟ فقال : لو خالفني في أمر ؛ لم يفلح أبدا . وأما أهل النهايات الذين عرفوا الطريق ، واستشرفوا على عين التحقيق ، وحصلوا على مقام الفهم عن اللّه ، فلا يستأذنون إلا في الأمر المهم ؛ كالتزوج ، والحج ، ونحوهما . وصبره حتى يأمره الشيخ بذلك أولى ، فالمريد ، بقدر ما يترك تدبيره مع الشيخ ، ويتحقق بالتفويض معه قبل الوصول ، كذلك يتركه ويتحقق تفويضه مع اللّه بعد الوصول . فالأدب مع الشيخ هو الأدب مع اللّه ، لكن لما كان من شأن العبد الجهل باللّه وسوء الأدب معه أمره بالتحكيم لغيره من جنسه ، فإذا حكم جنسه على نفسه قبل المعرفة حكم اللّه على نفسه بعد المعرفة . والتحكيم في غاية الصعوبة على النفس ، لا يرضاها إلا من سبقت له الهداية ، وجذبته جواذب العناية ، أعنى الدخول تحت الشيخ وتحكيمه على نفسه ، حتى لا يتحرك إلا بإذنه ، فهذا سبب الوصول إلى مقام الشهود والعيان ، فإذا فعل المريد شيئا من غير استئذان فليتب وليطلب من الشيخ الاستغفار له . وينبغي للشيخ أن يقبل العذر ويسامح ويستغفر له ، لقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فالخليفة لرسول اللّه قائم مقامه ، ونائب عنه في رتبة التربية . واللّه تعالى أعلم . ثم نهاهم عن التساهل في ترك الاستئذان ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 63 إلى 64 ] لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 63 ) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 64 ) يقول الحق جل جلاله : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي : إذا احتاج الرسول صلى اللّه عليه وسلّم إلى اجتماعكم لأمر جامع ، فدعاكم ، فلا تتفرقوا عنه إلا بإذنه ، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم