ابن عجيبة

73

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بعضا ، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الراعي ؛ لأن أمره - عليه الصلاة والسلام - وشأنه ليس كشأنكم . أو : لا تجعلوا دعاء الرسول على أحد ، كدعاء بعضكم بعضا ، فإنّ غضبه عليه ليس كغضبكم ؛ لأن غضبه غضب اللّه ، ودعاؤه مستجاب . وهذا يناسب ما قبله من جهة التحذير عن ترك الاستئذان ، فإنّ من رجع بغير استئذان معرض لغضبه - عليه الصلاة والسلام - ودعائه عليه . أو : لا تجعلوا نداءه صلى اللّه عليه وسلم كنداء بعضكم بعضا ؛ كندائه باسمه ، ورفع الصوت عليه ، وندائه من وراء الحجرات ، ولكن بلقبه المعظم ؛ يا رسول اللّه ، يا نبي اللّه ، مع غاية التوقير والتفخيم والتواضع وخفض الصوت . قال القشيري : أي : عظّموه في الخطاب ، واحفظوا حرمته وخدمته بالأدب ، وعانقوا طاعته على مراعاة الهيبة والتوقير . ه . فالإضافة ، على الأولين : للفاعل ، وعلى الثالث ؛ للمفعول ، لكنه بعيد من المناسبة لما قبله ولما بعده في قوله : قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ أي : يخرجون قليلا على خفية منكم ، لِواذاً أي : ملاوذين ، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج ، أو يلوذ بمن يخرج بالإذن ؛ إراءة أنه من أتباعه . أو مصدر ، أي : يلوذون لواذا . واللواذ : الملاوذة ، وهي التعلق بالغير ، وهو أن يلوذ هذا بهذا في أمر ، أي : يتسللون عن الجماعة ؛ خفية ، على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض . ثم هددهم على المخالفة بقوله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي : الذين يصدون عن أمره ، يقال : خالفه إلى الأمر : إذا ذهب إليه دونه ، ومنه : وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ « 1 » ، وخالفه عن الأمر : إذا صد عنه . والضمير : إما لله سبحانه ، أو للرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وهو أنسب ؛ لأنه المقصود بالذكر . والمعنى : فليحذر الذين يخالفون عن طاعته ودينه وسنّته ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ؛ محنة في الدنيا ؛ كقتل أو زلازل وأهوال ، أو تسليط سلطان جائر ، أو عدو ، أو قسوة قلب ، أو كثرة دنيا ؛ استدراجا وفتنة . قال القشيري : سعادة الدارين في متابعة السّنّة ، وشقاوتهما في مخالفتها ، ومما يصيب من خالفها : سقوط حشمة الدين عن القلب . ه . أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة . والآية تدل على أن الأمر للإيجاب ، وكلمة « أو » : لمنع الخلو ، دون منع الجمع . وإعادة الفعل صريحا ؛ للاعتناء بالتهديد والتحذير .

--> ( 1 ) من الآية 88 من سورة هود .