ابن عجيبة
65
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ؛ لأن الأطفال غير مخاطبين ولا متعبدين . ه . قلت : فالمخاطبون في الأولى هم الأولياء بتعليمهم الاستئذان وإيصائهم به ، وهنا صاروا بالغين ، فأمرهم بالاستئذان كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي : الذين بلغوا الحلم من قبلهم ، وهم الرجال المذكورون في قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ . . . « 1 » الآية . والمعنى : أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن ، إلا في العورات الثلاث ، فإذا اعتاد الأطفال ذلك ثم بلغوا الحلم وجب أن يفطموا عن تلك العادة ، ويحملوا على أن يستأذنوا في جميع الأوقات ، كالرجال الكبار الذين لم يعتادوا الدخول عليكم إلا بإذن . والناس عن هذه غافلون . عن ابن عباس رضي اللّه عنه : ثلاث آيات جحدهن الناس : الإذن كله ، وقوله : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ « 2 » ، وقوله : وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ . . « 3 » . وعن سعيد بن جبير : ( يقولون : إنها منسوخة ، واللّه ما هي بمنسوخة ) « 4 » . وعن ابن عباس أيضا قال : إنما أمروا بها حين لم يكن للبيوت الستر ، فلما وجدوا ذلك استغنوا عن الاستئذان . وعن أبي محمد مكي : هذا الأمر إنما كان من اللّه للمؤمنين ؛ إذ كانت البيوت بغير أبواب . قلت : أما باعتبار الأجانب فالأبواب تكفى ، وأما باعتبار المماليك والأطفال الذين يلجون الدار من غير حجر ؛ فلا تكفى الأبواب في حقهم ، فلا بد من الاستئذان كما في الآية . كَذلِكَ أي : مثل ذلك البيان العجيب يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ . قال ابن عرفة : قال قبل هذه وبعدها : الآيات ، وفي هذه : آياته ؛ لوجهين ، الأول : هذه خاصة بالأطفال ، وما قبلها عامة في العبيد والأطفال ، فأطلقت الآية ، ولم تقيد بالإضافة ، وهذه خاصة ، فعبّر عنها بلفظ خاص . الثاني : أن الخطاب بما هنا للبالغين ، فأسند فيه الحكم إلى اللّه تعالى ، تخويفا لهم وتشديدا عليهم . ه . والمتبادر أنه تفنن . قاله المحشى الفاسي . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فيما أمر ودبر . الإشارة : إنما أمر اللّه بالاستئذان لئلا يكشف السر إلى غير أهله ؛ غيرة منه تعالى على كشف أسرار عباده ، وإذا كان غار على كشف سر عبده ، فغيرته على كشف أسرار ذاته أولى وأحرى ، فيجب كتم أسرار الذات عن غير أهله ، وكل من خصه اللّه بسر وجب كتمه إلا على من هو أهل له ، وهو من أعطى نفسه وماله ، وباعهما للّه تعالى . وكل من أطلع على سر من سرار اللّه أو قضاء من قضائه ، ثم استشرف أن يعلم الناس بذلك فهو كذاب . وفي الحكم : « استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيّتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك » . وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) الآية 27 من سورة النور . ( 2 ) الآية 13 من سورة الحجرات . ( 3 ) الآية 8 من سورة النساء . والخبر عزاه ابن كثير في التفسير ( 3 / 303 ) لابن أبي حاتم . ( 4 ) أخرجه الطبري ( 18 / 163 ) .