ابن عجيبة
623
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : فَإِنَّكُمْ أيها المشركون وَما تَعْبُدُونَ أي : ومعبوديكم ، ما أَنْتُمْ وهم جميعا عَلَيْهِ ؛ على اللّه بِفاتِنِينَ ؛ بمضلّين ، إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي : إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار . والمعنى : إنكم لستم تضلّون أحدا إلا أصحاب النار ، الذين سبق في علمه أنهم يستوجبون بأعمالهم النار ، يقال : فتن فلان على فلان امرأته : أفسدها عليه . وقال الحسن : فإنكم أيها القائلون لهذا القول والذي تعبدونه من الأصنام ، ما أنتم على عبادة الأصنام بمضلّين أحدا ، إلا من أوجبت عليه الضلال في السابقة . ه . وفيها دليل للقدر ، بل هي صريحة فيه . و « ما » في « أنتم » : نافية ، و « من » : في موضع النصب بفاتنين ، على الاستثناء المفرغ ، أي : لا تفتنون إلا الذي هو صالى الجحيم . وحذفت الياء في الرسم اكتفاء بالكسرة ، وقرأ الحسن : « صال الجحيم » بضم اللام - ووجهه : أنه جمع ، فحذفت النون للإضافة . والواو لالتقاء الساكنين ، و « من » مفرد في اللفظ ، جمع في المعنى ، فحمل « هو » على اللفظ ، و « الصالون » على المعنى . الإشارة : ويقال لمن يرغّب الناس في الدنيا ، ويدلهم على جمعها ، والاعتناء بها ، بمقاله ، أو بحاله ، ويزهّد في طريق التجريد والانقطاع إلى اللّه : ما أنتم بفاتنين أحدا عن طريق اللّه ، إلا من سبق أنه يصلى نار القطيعة والبعد ، وأما من سبقت له سابقة الوصال ، فلا يصده عن اللّه فاتن ولا ضال . ولا شك أن من يدلّ الناس على الدنيا فقد غشهم . قال القطب ابن مشيش رضي اللّه عنه : من دلّك على الدنيا فقد غشك ، ومن دلّك على العمل فقد أتبعك ، ومن دلك على اللّه فقد نصحك . ه . فالدلالة على الدنيا من شأن المغرورين ، ورين الفاتنين ، والدلالة على العمل من شأن الصالحين ، الواقفين مع ظاهر الشريعة وعملها ، والدلالة على اللّه من شأن العارفين أهل التربية ، يدلون على اللّه ، بسقى الكؤوس ، ونسيان النفوس ، ودخول حضرة القدوس ، من باب الكرم والجود . وبالله التوفيق . ثم رجع إلى الكلام على الملائكة ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 164 إلى 166 ] وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) يقول الحق جل جلاله : حاكيا عن الملائكة : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ في العبادة ، أو : في السماوات ، نعبد اللّه فيه ، أو : في القرب والمشاهدة لا نتعداه ، ولا نترقى عنه إلى غيره ، ففيه تنبيه واعتراف بافتقارهم لمخصصهم ، القاضي بحدوثهم . وفي اعترافهم بذلك ردّ على زعم الكفار أنهم بنات اللّه ، أو شركاء له ، وتنزيه له تعالى عن ذلك ؛ لتنافى العبودية والطاعة التي اعترفوا بها ، والبنوة المدّعاة من الكفار ، تعالى اللّه عن قولهم . وهذا