ابن عجيبة
624
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يجرى أيضا في القول الذي يقول : إنهم قسم ثالث ، مجردات ، ليسوا بجوهر ولا عرض ، كالأرواح ، فإنها على تقدير كونها كذلك ، جائزة ؛ لقبولها التفاوت في العلوم والمعارف وغير ذلك . وذلك قاض بالافتقار ، والتخصيص لما هي عليه ، المستلزم للحدوث . قاله في الحاشية . قلت : القول بأن الملائكة مجردات عن المادة ، هو قول الفلاسفة ، ونحى إليه الغزالي . وهو مناقض للقرآن والحديث ؛ لأن كونهم صفوفا قائمين ، أو ساجدين ، أو سائرين ، يقتضى تشكيلهم وتحييزهم ، فيستلزم المادة ؛ إلا أنها نورانية لطيفة ، وكذلك الأرواح ، على ما في الأحاديث ، فإنها متحيزة على أشكال لطيفة . والله أعلم . وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ؛ نصفّ أقدامنا في الصلاة ، أو : نصفّ حول العرش داعين للمؤمنين ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ؛ المنزّهون اللّه تعالى عما نسبته إليه الكفرة ، من الولد ، وغير ذلك من الأباطيل المذكورة . أو : المشتغلون بالتسبيح على الدوام ، أو : المصلّون . ويحتمل أن يكون هذا وما قبله ؛ من قوله : سُبْحانَ اللَّهِ . . . . إلخ ، من كلام الملائكة ، حتى يتصل بذكرهم « 1 » ، كأنه قيل : ولقد علم الملائكة أن المشركين محضرون للعذاب على افترائهم على اللّه فيما نسبوا إليه ، وقالوا : سبحان اللّه ، ونزّهوه عن ذلك ، واستثنوا عباد اللّه المخلصين ، وبرّؤوهم من ذلك ، وقالوا للكفرة : وإذا صح ذلك ؛ فإنكم وآلهتكم لا تقدرون أن تفتنوا على اللّه أحدا من خلقه ، وتضلّوه ، إلّا من كان من أهل النار ، وكيف نكون مناسبين لرب العزة ! وما نحن إلا عبيد أذلاء بين يديه ، لكلّ منا مقام من الطاعة معلوم ، لا يستطيع أن يزلّ عنه ، ونحن نصفّ أقدامنا لعبادته ، مسبّحين بحمده ، كما يجب على العباد . ولعل قولهم : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ إشارة إلى تفاوتهم في درجات القرب ومقامات اليقين . وقولهم : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ إشارة إلى تفاوتهم في الطاعات والعبادات ، وهم طبقات ؛ منهم هائمون مستغرقون في الشهود ، ومنهم مستغرقون في مقام الهيبة والمراقبة ، ومنهم مستغرقون في الخدمة والعبادة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : مادة الآدمي أكمل من مادة الملائكة ، فإذا اتصل العبد بشيخ كامل ، واعتنى بتصفية روحه وسره ، طوى نوره الوجود بأسره ، ولا يزال يترقى في معاريج أسرار التوحيد والتفريد ، وتتوارد عليه الكشوفات ، والعلوم ، والأسرار ، في هذه الدار الفانية ، وفي تلك الدار الباقية ، أبدا سرمدا ، بخلاف الملائكة ، فإنّ لكل واحد مقاما معلوما لا يتعداه ، كما أخبر تعالى . وسرّ ذلك : أن الآدمي فيه بشرية وروحانية ، فكلما جاهد نفسه ، وغاب عن حس بشريته ؛ ترقى في معارج التوحيد ، والمجاهدة لا تنقطع عنه في هذا الدار ؛ لأنها دار أكدار ، فلا ينقطع عنه الترقي في المشاهدة ، وأما في تلك
--> ( 1 ) في قوله : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ .