ابن عجيبة

617

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ ؛ ألا تخافون اللّه ، أَ تَدْعُونَ بَعْلًا ، هو علم لصنم ، كان من ذهب ، وكان طوله عشرين ذراعا ، وكان له أربعة أوجه ، فافتتنوا به وعظّموه ، حتى أخدموه أربعمائة سادن ، وجعلوهم أنبياءه . وكان الشيطان يوسوس إليهم شريعة من الضلالة ، وكان موضعهم يسمى « بك » فركب معه وصار « بعلبكّ » ، وهو من بلاد الشام ، قلت : ويسمونه اليوم عكا ، وفيه قبر صالح عليه السّلام ، وقيل : إن إلياس والخضر حيان ، يلتقيان كل سنة بالموسم « 1 » ، فيأخذ كل واحد من شعر صاحبه . قيل : إن إلياس وكّل بالفيافي ، والخضر وكّل بالبحار . وقيل : إن اللّه قطع عنه لذة المطعم والمشرب ، وأليس الريش ، وطار مع الملائكة ، فصار إنسيا ملكيا ، أرضيا سماويا . فهو ما زال حيا . فالله أعلم . ثم قال : وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ أي : تعبدون صنما جامدا ، وتتركون عبادة اللّه الذي هو أحسن الخالقين . اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ « 2 » . من نصب الثلاثة فبدل ، ومن رفعها فمبتدأ وخبر . فَكَذَّبُوهُ فسلط اللّه عليهم ، بعد رفعه ، أو موته ، عدوا ، فقتل ملكهم وكثيرا منهم ، فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ في النار ، وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة ، أو : لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر . إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ من قومه ، فإنهم ناجون من حضور العذاب ، وَتَرَكْنا عَلَيْهِ الثناء الحسن فِي الْآخِرِينَ . سَلامٌ عَلى إِل‌ْياسِينَ « 3 » ، وهو إلياس وأهله ؛ لأن « ياسين » اسم أبيه . وقرأ أكثر القراء : إلياسين ، بكسر الهمزة ووصل اللام ، أي : إلياس وقومه المؤمنين ، كقولهم : الخبيبون والمهلّبون ، يعنون عبد اللّه بن الزبير وقومه . والمهلّب وأتباعه . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وقيل : آل ياسين هو نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وأهله ، والسياق يأباه . الإشارة : يؤخذ من قوله تعالى : أَ لا تَتَّقُونَ ، أَ تَدْعُونَ بَعْلًا . . إلخ ، أن مدار التقوى هو توحيد اللّه ، والانحياش إليه ، والبعد عن كل ما سواه ، والرجوع إلى اللّه في كل شئ ، والاعتماد عليه في كل حال . ويؤخذ من قوله : سلام على آل ياسين في قراءة المد ، أن الرجل الصالح ينتفع به أهله وأقاربه ، وهو كذلك ؛ فإن عظم صلاحه تعدت منفعته إلى جيرانه وقبيلته ، فإذا كبر جاهه شفع في الوجود بأسره .

--> ( 1 ) عزاه في الدر المنثور ( 5 / 537 ) لابن عساكر ، عن ابن شوذب ، والحسن . ( 2 ) قرأ حفص ، وحمزة ، والكسائي بنصب الأسماء الثلاثة ، وقرأ الباقون بالرفع . انظر الحجة للفارسي ( 6 / 63 ) . ( 3 ) قرأ نافع ، وابن عامر ، ويعقوب : ( آل ياسين ) بفتح الهمزة ، مشبعة ، وكسر اللام ، مفصولة عما بعدها ، والمراد : ولد ياسين وأصحابه ، قرأ الباقون « على إلياسين ، بكسر الهمزة ، وسكون اللام ، موصولة بما بعدها ، كلمة واحدة ، جمع « إلياس » . انظر الإتحاف ( 2 / 416 ) .