ابن عجيبة
615
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من صلبه ألف نبىّ ، أولهم يعقوب ، وآخرهم عيسى عليه السّلام . وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما أي : إبراهيم وإسحاق ، وليس لإسماعيل هنا ذكر ، استغناء بذكر ترجمته في مريم « 1 » ، مُحْسِنٌ ؛ مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ بالكفر مُبِينٌ ظاهر كفره . أو : محسن إلى الناس ، وظالم لنفسه بتعديه عن حدود الشرع . وفيه تنبيه على أن الخبيث والطيب لا يجرى أمرهما على العرق والعنصر ، فقد يلد البرّ الفاجر ، والفاجر البرّ . وهذا مما يهدم الطبائع والعناصر ، وتنبيه على أن الظلم في أعقابهما لم يعد عليهما بعيب ، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله ، ويعاقب بما كسبت يداه ، لا على ما وجد من أصله وفرعه . قاله النسفي . قلت : قاعدة « العرق نزاع » أغلبية ، لا كلية . وقيل : هو حديث ، فيكون أغلبيا ، فالشجرة الطيبة لا تنبت في الغالب إلا الطيب ، إلا لعارض ، والشجرة الخبيثة لا تجد فروعها إلا مثلها ، إلا لسبب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : البشارة الكبيرة ، والبركة العظيمة ، إنما تقع في الغالب بعد الامتحان الكبير ، فبقدر الامتحان يكون الامتكان ، ويقدر الجلال يعظم الجمال ، فإنّ مع العسر يسرا . فبقدر الفقر يعقب الغنى ، وبقدر الذل يعقب العز ، إن كان في جانب اللّه . وقس على هذا . . ويسرى ذلك في العقب ، كما هو مشاهد في عقب الصالحين والعلماء والأولياء . وبالله التوفيق . ثم ذكر موسى وهارون ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 114 إلى 122 ] وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ ( 114 ) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ( 115 ) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 116 ) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ ( 117 ) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 118 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ ( 119 ) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ ( 120 ) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 121 ) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 122 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ مَنَنَّا ؛ أنعمنا عَلى مُوسى وَهارُونَ بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية ، وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما ؛ بني إسرائيل ، مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ؛ من الغرق والدهش الذي
--> ( 1 ) في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ، وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا الآيتان : 54 - 55 .