ابن عجيبة

614

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بالقهرية ، وكذلك لما ألقى في النار أخفى عنه المراد منه ، وهو السلامة منها ليحصل معنى الابتلاء . وهكذا يكون الحال في حال البلاء ، [ ينسد عيون التهدى إلى الحال ] « 1 » . وكذلك كان حال نبينا صلى اللّه عليه وسلم في الإفك ، وأيوب عليه السّلام ، وإنما تبين الأمر بعد ظهور أجر المحنة وزوالها ، وإلّا لم تكن حينئذ محنة ، ولكن مع استعجام الحال وانبهامه ؛ إذ لو كشف الأمر عن صاحبه لم يكن حينئذ بلاء . ه . ملخصا . ثم قال تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 112 إلى 113 ] وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 112 ) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ( 113 ) قلت : « نبيا » : حال مقدرة من « إسحاق » ، ولا بد من تقدير مضاف محذوف ، أي : وبشرناه بوجود إسحاق نبيّا ، أي : بأن يوجد مقدرا نبوته ، فالعامل في الحال : الوجود ، لا فعل البشارة ، قاله الكواشي وغيره . يقول الحق جل جلاله : وَبَشَّرْناهُ أي : إبراهيم بِإِسْحاقَ بعد امتحانه ، نَبِيًّا أي : يكون نبيا . قال قتادة : بشّره بنبوة إسحاق بعد ما امتحنه بذبحه . قالوا : ولا يجوز أن يبشّر بنبوته وذبحه معا ؛ لأن الامتحان لا يصح مع كونه عالما بأن سيكون نبيا . ه . قلت : لا يبعد أن يبشّر بهما معا قبل المحنة ؛ لأن العارف لا يقف مع وعد ولا وعيد ؛ لاتساع علمه ، فإن الوعد قد يكون متوقفا على شروط ، قد لا يلم العبد بها ، وراجع ما تقدم عند قوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا « 2 » بالتخفيف ، وعند قوله : وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً « 3 » . ثم قال قتادة : وهذه حجة لمن يقول : إن الذبيح كان إسحاق . ومن قال : كان إسماعيل الذبيح ، قال : بشّر إبراهيم بولد يكون نبيا بعد القصة ؛ لطاعته . ه . وذكر ابن عطية عن مالك أنه نزع بهذه الآية لكون الذبيح إسماعيل ، انظر بقية كلامه . وتقدم الجواب عنه ، فإنّ الأولى بولادته ، وهذه بنبوته . انظر الحاشية . وقوله : مِنَ الصَّالِحِينَ : حال ثانية ، وورودها على سبيل الثناء ؛ لأن كل نبىّ لا بد أن يكون من الصالحين . قال ابن عرفه : الصلاح مقول بالتشكيك ، فصلاح النبي أعظم من صلاح الولي . ه . وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ أي : أفضنا عليهم بركات الدين والدنيا . وقيل : باركنا على إبراهيم في أولاده ، وعلى إسحاق بأن أخرجنا

--> ( 1 ) عبارة القشيري : ( تنسد الوجوه في الحال ) . ( 2 ) الآية 110 من سورة يوسف . ( 3 ) الآية 11 من سورة الأحزاب .