ابن عجيبة
613
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ أي : الثناء الحسن في الأمم الآخرين ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ، سبق بيانه في نوح « 1 » كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، لم يقل : إنا كذلك ، هنا ، كما في غيره ؛ لأنه قد سبق في القصة ، فاكتفى هنا عن ذكره . إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ، فيه تنويه بشأن الإيمان ؛ لأنه أساس لكل ما يبنى عليه من معرفة وإحسان . الإشارة : قال إني ذاهب إلى ربى بالتوجه والعزم ، سيهدين إلى صريح معرفته ، ومكافحة رؤيته ، ودوام شهوده . فالذهاب إليه يفضى إلى الذهاب فيه ، وهو غيبة العبد عن شهود نفسه ، بشهود محبوبه ، وهذه الحالة متبوعة للامتحان ؛ إذ امتحان كل عبد على قدر مقامه ، فكلما علا المقام عظم الامتحان . فامتحن الخليل بأربع محن : تسليم بدنه للنيران ، وولده للقربان ، ورمى آخر عند البيت في يد الرحمن ، « 2 » وذهاب زوجه للجبّار ، فوقع اللطف في الجميع ، واصطفى خليلا للرحمن . وأيضا : الحق غيور ، لا يحب أن يرى في قلب خليله أو وليّه شيئا سواه ، فأمر بذبح ولده ؛ لإخراجه من قلبه ، كما فرّق بين يوسف ووالده ، وامتحن حبيبه صلى اللّه عليه وسلم في عائشة صدّيقته ، وهذه عادة اللّه مع أصفيائه . قال القشيري : يقال في القصة : أنه رآه راكبا على فرس أشهب ، فاستحسنه ، ونظر إليه بقلبه ، فأمر بذبحه ، فلما أخرجه من قلبه ، واستسلم لذبحه ، ظهر الفداء . وقيل له : كان المقصود من هذا فراغ قلبك منه ، لا ذبحه . ويقال في القصة : أنه أمر أباه أن يشدّ يديه ورجليه ؛ لئلا يضطرب إذا مسّه ألم الذبح ، فيعاتب ، ثم لمّا همّ بذبحه قال : افتح القيد عنى ، فإني لا أتحرك ، فإني أخشى أن أعاتب ، فيقول : أمشدود اليد جئتني ؟ وأنشدوا : ولو بيد الحبيب سقيت سمّا * لكان السّمّ من يده يطيب قيل : إن الولد كان أشدّ بلاء ، لأنه وجد الذبح من يد أبيه ، ولم يتعوّد منه إلا التربية بالجميل ، فكان البلاء منها « 3 » أشد ؛ إذ لم يتوقعه منها . وقيل : بل إبراهيم أشد بلاء ؛ لأنه كان يحتاج أن يذبح ابنه بيده ، ويعيش بعده ، ولم يأت الولد بالدعوى ، بل قال : إن شاء اللّه ، فتأدب بلفظ الاستثناء . ثم قال : ويقال : إنّ اللّه ستر عليهما ما علم أنه أريد منهما في حال البلاء ، وإنما كشف لهما بعد مضىّ وقت المحنة ، لئلا يبطل معنى الابتلاء ، وهو توجع القلب
--> ( 1 ) راجع تفسير الآية 79 من هذه السورة . ( 2 ) هذا على أن الذبيح هو إسحاق ، وقد مر آنفا أن الصحيح أنه سيدنا إسماعيل عليه السّلام . ( 3 ) أي : من اليد .