ابن عجيبة
612
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا . روى أنّ ذلك المكان عند الصخرة التي بمنى . وجواب « لما » محذوف ، أي : فلما أسلما رحما وسعدا . وقال بعض الكوفيين : الجواب : ( وتله ) ، والواو : زائدة . وقال الكسائي : الجواب : ( وناديناه ) . والواو زائدة . وقال الخليل وسيبويه : الجواب محذوف ، أي : فلما أسلما سلما . وقدّر الراضي : فلما أسلما كان من لطف اللّه مالا يوصف . ه . وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا أي : حققت ما أمرناك به في المنام ، من تسليم الولد للذبح ، وبالعزم والإتيان بالمقدمات ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ؛ تعليل لما خوّلهما من الفرج بعد الشدة . والحاصل : أن الجزاء هو الوقاية من الذبح ، مع إمرار السكين ، ولم تقطع ، جزاء على إحسانهما ، وقد ظهرت الحكمة بصدقهما ، فإن المقصود إخلاء السر من عادة الطبيعة ، لا تحصيل الذبح ، روى أنه لما أمرّ السكين فلم تقطع ، تعجّب ، فنودي : يا إبراهيم كان المقصود من هذا استسلامكما ، لا ذبح ولدك . إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ؛ الاختبار البيّن ، الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم . أو : المحنة البيّنة الصعبة ، فإنه لا محنة أصعب منها . وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ : ضخم الجثة سمين . قال ابن عباس : هو الكبش الذي قرّبه هابيل فقبل منه ، وكان يرعى في الجنة حتى فدى به ولد إبراهيم . وعنه : لو تمت تلك الذبيحة لصارت سنّة ، وذبح الناس أولادهم . روى أن الكبش هرب من إبراهيم عند الجمرة ، فرماه ؛ سبع حصيات ، حتى أخذه ، فبقيت سنّة في الرمي . قلت : والجمهور : أن الشيطان تعرض له عند ذهابه لذبح ولده ، ثلاث مرات ، فرماه سبع حصات عند كل مرة ، فبقيت سنّة في الرمي . وروى أنه لما ذبحه ، قال جبريل : اللّه أكبر ، فقال الذبيح : لا إله إلا اللّه ، واللّه أكبر ، فقال إبراهيم : اللّه أكبر ولله الحمد ، فبقيت سنّة صبيحة العيد . قال البيضاوي : واحتج به من جوز النسخ قبل الفعل ، فإنه عليه السّلام كان مأمورا بالذبح ، لقوله : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ولم يحصل . ه . قال سيدي عبد الرحمن الفاسي في الحاشية : ولمّا بذل إبراهيم وسعه ، وفعل ما يفعله الذابح من ضجعه على شقه ، وإمرار الشفرة على حلقه ، لم يكن هذا من النسخ قبل الفعل ، وإن كان ورود النسخ قبل الفعل جائز ، لكن هذه الآية ليست منه في شئ ؛ لأنه عليه السّلام باشر الفعل بقدر الإمكان وبذل المجهود ، ولم يكن منه تقصير ، ولو لم يمنع مانع القدرة الإلهية لتم الذبح المأمور به ، لهذا قال تعالى : صَدَّقْتَ الرُّؤْيا . وإنما احتيج إلى الفداء لتحصيل حقيقة الذبح فيه نيابة عن المفدى شرعا ، وعلامة على غاية القبول والرضا عنهما ، وعوض عن ذلك ما هو كرامة لهما ، ولمن بعدهما إلى غابر الدهر . ه . وقيل : إن هذه الآية نسخ بها الأمر بالذبح قبل التمكين من الفعل ، بناء على أن إبراهيم لم يمر الآلة . وعزاه المحلى في جمع الجوامع لمذهب أهل السنة . وعليه ينزل الفداء ، ثم قال : والحق : أن الآية من المنسوخ قبل تمام الفعل وكماله ، لا قبل الأخذ فيه ومعالجته . ثم اعترض كلام ابن عطية ، وقال : فيه تدافع ، فانظره .