ابن عجيبة
611
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا قال له : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ، فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ به سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ على الذبح . روى أن إبراهيم قال لابنه : انطلق بنا نقرب قربانا لله تعالى ، فأخذ سكينا وحبلا ، ثم انطلق معه ، حتى إذا ذهب بين الجبال ، قال له الغلام : يا أبت أين قربانك ؟ فقال : يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ . . . الآية ، فقال : يا أبت خذ بناصيتي ، واجلس بين كتفي ، حتى لا أؤذيك إذا أصابتنى الشفرة ، ولا تذبحنى وأنت تنظر لوجهى ؛ لئلا ترحمني ، واجعل وجهي إلى الأرض . وفي رواية واذبحني وأنا ساجد ، واقرأ على أمي السلام ، وإن رأيت أن تردّ قميصى إلى أمي فافعل ، عسى أن يسليها عنى . قال إبراهيم : نعم العون أنت على أمر اللّه تعالى . فربطه إبراهيم عليه السّلام ثم جعل يقبله ، وهو يبكى ، والابن يبكى ، حتى استنقعت الدموع تحت خده . فَلَمَّا أَسْلَما أي : انقادا لأمر اللّه وخضعا . وعن قتادة : أسلم هذا ابنه ، وهذا نفسه . وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ؛ صرعه على جنبه ، ووضع السكين على حلقه ، فلم تعمل ، ثم وضع السكين على قفاه فانقلب السكين ، ونودي :
--> فإن قيل : فالبشارة الثانية وقعت على نبوته ، أي : لمّا صبر الأب على ما أمر به ، وأسلم الولد لأمر اللّه ، جازاه اللّه على ذلك بأن أعطاه النبوة . قيل : البشارة وقعت على المجموع ؛ على ذاته ووجوده ، وأن يكون نبيا ، ولهذا نصب « نبيا » على الحال المقدر ، أي : مقدرا نبوته ، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل ، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الغفلة ، هذا محال من الكلام ، بل إذا وقعت البشارة على نبوته ، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى . * أن البشارة بإسحاق وقعت مقرونة بولادة يعقوب ، على ما هو الظاهر من قوله : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ، وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ سورة هود / 71 ، ولا يتصور أن يبشر بالولد وولد الولد دفعة ، ثم يؤمر بذبح الولد قبل ولادة ولده . وأيضا : فلا ريب أن الذبيح كان بمكة ، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها ، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ، ورمى الجمار ، تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه ، وإقامة لذكر اللّه ، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة ، دون إسحاق وأمه . وكان النحر بمكة من تمام حج البيت ، ولو كان الذبح بالشام - كما يزعم أهل الكتاب - لكانت القرابين والنحر بالشام ، لا بمكة . وفي هذا الشأن نقل عن الأصمعي أنه قال : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ، فقال : يا أصمعى أين عقلك ، ومتى كان إسحاق بمكة ؟ وإنما كان إسماعيل بمكة ، وهو الذي بنى البيت مع أبيه ، والمنحر بمكة . * أما من نقل من أخبار من أن الذبيح هو إسحاق فهو منقول عن أهل الكتاب ، وحال أهل الكتاب ، لا يخفى عل ذوى الألباب ، ونقل ابن القيم في زاد المعاد ( 1 / 71 ) عن الشيخ ابن تيمية - رحمهما اللّه - قوله : هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب ، مع أنه باطل بنص كتابهم ، فإن فيه : إن اللّه أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره ، وفي لفظ : « وحيده » ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده ، والذي غرّ أصحاب هذا القول أن في التوراة ، التي بأيديهم : اذبح ابنك إسحاق . وقال : وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم ، لأنها تناقض قوله : ( اذبح بكرك ووحيدك ) ، ولكن اليهود حسدت بنى إسماعيل على هذا الشرف ، وأحبوا أن يكون لهم ، وأن يسوقوه إليهم ، ويختاروه لأنفسهم دون العرب ، ويأبى اللّه إلا أن يجعل فضله لأهله » . للمزيد في هذه المسألة انظر : مفاتيح الغيب ( 3 / 247 ) - تفسير ابن كثير ( 4 / 17 - 19 ) زاد المعاد لابن القيم ( 1 / 71 - 75 ) القول الفصيح ، للسيوطي ، ضمن كتاب الحاوي ( 1 / 318 - 322 ) - الإسرائيليات والموضوعات ، للدكتور أبى شهبة ( 252 - 260 ) .