ابن عجيبة

61

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ؛ كبنى إسرائيل ، استخلفهم اللّه في مصر والشام ، بعد إهلاك فرعون والجبابرة ، ومن قبلهم من الأمم المؤمنة التي استخلفهم اللّه في أرض من أهلكه اللّه بكفره . كما قال تعالى : فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ « 1 » . وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ : عطف على لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ ، داخل معه في سلك الجواب ، وتأخيره عنه مع كونه أصل الرغائب الموعودة وأعظمها ؛ لأن النفوس إلى الحظوظ العاجلة أميل ، فتصدير المواعد بها في الاستمالة أدخل ، والمعنى : ليجعل دينهم ثابتا متمكنا مقررا لا يتبدل ولا يتغير ، ولا تنسخ أحكامه إلى يوم القيامة . ثم وصفه بقوله : الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ، وهو دين الإسلام ، وصفه بالارتضاء ؛ تأليفا ومزيد ترغيب فيه وفضل تثبيت عليه . وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ بالتشديد والتخفيف من الإبدال ، مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ من الأعداء أَمْناً . نزلت حيث كان أصحاب رسول صلى اللّه عليه وسلّم قبل الهجرة عشر سنين ، أو أكثر ، خائفين ، ولمّا هاجروا كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه ، حتى قال رجل : ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ، ونضع السلاح ، فلما نزلت ، قال عليه الصلاة والسلام : « لا تصبرون إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ، محتبيا ، ليس معه حديدة » « 2 » ، فأنجز اللّه وعده ، فأمنوا ، وأظهرهم على جزيرة العرب ، وفتح لهم بلاد المشرق والمغرب ، ومزقوا ملك الأكاسرة ، وملكوا خزائنهم ، واستولوا على الدنيا بحذافيرها . وفيه من الإخبار بالغيب ما لا يخفى . وقيل : الخوف والأمن في الآخرة . ثم مدحهم بالإخلاص فقال : يَعْبُدُونَنِي وحدي ، لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً أي : حال كونهم موحدين غير مشركين بي شيئا من الأشياء ، شركا جليا ولا خفيا ؛ لرسوخ محبتهم ، فلا يحبون معه غيره ، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ أي : بعد الوعد الكريم ، كفران النعمة ، أو الرجوع عن الإيمان ، كما فعل أهل الردة ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ؛ الكاملون في الفسق ، حيث كفروا تلك النعمة بعد ظهور عزها وأنوارها ، قيل : أول من كفر هذه النعمة قتلة عثمان رضي اللّه عنه ؛ فاقتتلوا بعد ما كانوا إخوانا . والآية أوضح دليل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين ؛ لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات على ما ينبغي هم الخلفاء - رضي اللّه عنهم - .

--> ( 1 ) من الآية 13 من سورة إبراهيم . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 18 / 159 - 160 ) . وعزاه في الدر المنثور ( 5 / 100 ) لعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، عن أبي العالية . وانظر أسباب النزول للواحدي ( 338 ) .