ابن عجيبة
62
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا كان كفر من كفر بعد الوعد إنما كان بمنع الزكاة ، قرنه مع الصلاة في الأمر به فقال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ؛ فمن فرّق بينهما فقد كفر ، وكان من الفاسقين . وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما دعاكم إليه وأمركم به ، ومن جملة ما أمر به : طاعة أمرائه وخلفائه ؛ لقوله : « عليكم بسنتي ، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضّوا عليها بالنواجذ » « 1 » ، فمن امتنع من دفع الزكاة لخليفته - كما فعل أهل الردة - فقد كفر ، ومن أداها إليه كما أمره اللّه فقد استوجب الرحمة ، لقوله : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي : لكي ترحموا ، فإنها من مستجلبات الرحمة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : سنة اللّه تعالى في خواصه : أن يسلط عليهم في بدايتهم الخلق ، فينزل بهم الذل والفقر والخوف من الرجوع عن الطريق ، ثم يعزهم ، ويمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا ، كما قال الشاذلي رضي اللّه عنه : اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا . . . إلخ كلامه . قال القشيري : وفي الآية إشارة إلى أئمة الدين ، الذين هم أركان السنّة « 2 » ودعائم الإسلام ، الناصحون لعباد اللّه ، الهادون من يسترشد في اللّه . ثم قال : فأما حفاظ الدين ؛ فهم الأئمة والعلماء الناصحون لدين اللّه ، وهم أصناف : قوم هم حفّاظ أخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، وحفّاظ القرآن ، وهم بمنزلة الخزنة ، وقوم هم علماء الأصول ، الرادّون على أهل العناد ، وأصحاب الابتداع ، بواضح الأدلة ، وهم بطارقة الإسلام وشجعانه ، وقوم هم الفقهاء المرجوع إليهم في علوم الشريعة وفي العبادات وكيفية المعاملات ، وهم من الدين بمنزلة الوكلاء والمتصرفين في الملك ، وآخرون هم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق ، وهم في الدّين كخواص الملك وأعيان مجلس السلطان وأرباب الأسرار ، الذين لا يبرحون في عالي مجلس السلطان ، فالدين معمور بهؤلاء على اختلافهم إلى يوم القيامة . ه « 3 » . وتقدم مثله في قوله : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ . . . إلخ « 4 » . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر الفريق الثالث ، وهم الكفرة ظاهرا وباطنا ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : آية 57 ] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 57 )
--> ( 1 ) أخرجه - بطوله - أحمد في المسند ( 4 / 127 ) وأبو داود في ( السنة ، باب في لزوم السنة 5 / 13 - 14 ح 4607 ) والترمذي في ( العلم ، باب في الأخذ بالسنة واجتناب البدع 5 / 43 ، ح 2676 ) وابن ماجة في ( المقدمة ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين ، 1 / 16 ح 42 ) من حديث العرباض بن سارية . قلت : والنواجذ آخر الأضراس ، واحدها : ناجذ . وأراد بذلك الجد في لزوم السنة ، فعل من أمسك الشيء بين أضراسه ، وعضّ عليها ، منعا له أن ينتزع . ( 2 ) في القشيري : « الملّة » . ( 3 ) بتصرف . ( 4 ) الآية 122 من سورة التوبة .