ابن عجيبة
608
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر هجرة إبراهيم ، وما امتحن به ، فقال : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 99 إلى 111 ] وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 102 ) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 105 ) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ( 106 ) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ( 107 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 108 ) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ ( 109 ) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 110 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ( 111 ) قلت : « معه » : يتعلق بمحذوف ، أي : بلغ السعي يسعى معه ، ولا يتعلق ببلغ ؛ لأنه يقتضى الاشتراك في البلوغ ، ولا بالسعي ؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله ، إلا أن يقال : يتسع في الظروف ما لا يتسع في غيرها . يقول الحق جل جلاله : وَقالَ إبراهيم : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ؛ إلى موضع أمرني ربى بالذهاب إليه ، وهو الشام ، أو : إلى مرضاة ربى ، بامتثال أمره بالهجرة ، أو : إلى المكان الذي أتجرد فيه إلى عبادة ربى ، سَيَهْدِينِ أي : سيرشدنى إلى ما فيه صلاح ديني ، أو : إلى مقصدى ، وإنما بتّ القول لسبق وعده ؛ لأن اللّه وعده بالهداية ، أو : لفرط توكله ، أو : للبناء على عادته معه . ولم يكن كذلك حال موسى عليه السّلام حيث عبّر بما يقتضى الرجاء « 1 » . ثم قال : رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ؛ بعض الصالحين ، يعينني على الدعوة والطاعة ، ويونسي في الغربة . يريد الولد ؛ لأن لفظ الهبة غلب على الولد . فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ، انطوت البشارة على ثلاث : على أنّ الولد ذكر ، وأنه يبلغ أوان الحلم ؛ لأن الصبىّ لا يوصف بالحلم ، وأنه يكون حليما ، وأىّ حليم أعظم من حلمه ، حيث عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق ، فقال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ « 2 » ، ثم استسلم . وقيل : ما نعت اللّه نبيا بالحلم إلا إبراهيم وابنه ؛ لمعزّة وجوده .
--> ( 1 ) حيث قال : عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ الآية 22 من سورة القصص . ( 2 ) الآية 102 من سورة الصافات .