ابن عجيبة
609
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي : فلما وجد وبلغ أن يسعى مع أبيه في أشغاله وحوائجه ، أي : الحدّ الذي يقدر على السعي مع ابنه ، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة . وقيل : سبع سنين . قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ أي : قيل له في المنام : اذبح ابنك ، ورؤيا الأنبياء وحي ، كاليقظة . قال الكواشي : لم ير أنه يذبحه في النوم ، ولكنه أمر في النوم بذبحه ، بدليل قوله : افْعَلْ ما تُؤْمَرُ . وقيل : رأى أنه يعالج ذبحه ، ولم ير إراقة الدم . وقال قتادة : رؤيا الأنبياء حق ، إذا رأوا شيئا فعلوه « 1 » . وفي رؤيا ذلك في النوم وتحققه إياه حتى عمل بما رأى ، إيذان بأن الأنبياء قد تجوهرت نفوسهم ، فلا مجال للكذب فيما يوحى إليهم ، وفيما يصدر عنهم ، فهم صادقون مصدّقون ، فليس للشيطان عليهم سبيل ، وإيذان بأن من كان في منامه صادقا كان يقظته أولى بالصدق . ه . وإنما لم يقل : « رأيت » ؛ لأنه رأى مرة بعد أخرى ، فقد قيل : رأى ليلة التروية كأنّ قائلا يقول له : إن اللّه يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح روّى في ذلك من الصباح إلى الرواح ؛ ليعلم أمن اللّه هذا الحلم ، أم لا ، فسمّى يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من اللّه ، فسمّى يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة ، فهم بنحره ، فسمّى يوم النحر « 2 » . واختلف من المخاطب المأمور بذبحه ، فقال أهل الكتابين : هو إسحاق ، وبه قال عمر ، وعلىّ ، وابن مسعود ، والعباس ، وابنه عبد اللّه ، وكعب الأحبار ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، ومسروق ، وعكرمة ، والقاسم بن أبي برّة ، وعطاء ، ومقاتل ، والزهري ، والسدى . قال سعيد بن جبير : أرى إبراهيم ذبح إسحاق في المنام ، فسار به على البراق مسيرة شهر في غداة واحدة ، حتى أتى المنحر بمنى ، فلما صرف عنه الذبح ، وأمره أن يذبح الكبش ، وذبحه ، سار به مسيرة شهر في روحة واحدة ، طويت له الأودية والجبال . ه . واحتج أهل هذا القول بأنه ليس في القرآن أن إبراهيم بشّر بولد إلا بإسحاق ، وقال هنا : فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ فتعيّن أنه إسحاق ؛ إذ هو المبشّر به في غير هذه الآية ، وبأن الذي كان يسعى معه في حوائجه وأشغاله إنما هو إسحاق ، وأما إسماعيل فإنما كان بمكة غائبا عنه ، ولم يثبت في الصحيح أن إبراهيم قدم مكة إلا ثلاث مرات وإسماعيل متزوج . وبما روى أن موسى عليه السّلام قال : يا رب ؛ الناس يقولون : إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، فبم ذلك ؟ فقال : إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلا اختارني ، وإن إسحاق جاد لي بالذبح ، وهو لي بغير ذلك أجود ، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زاد لي حسن ظن « 3 » . وقال يوسف للملك : أترغب أن تأكل معي ، وأنا - واللّه - يوسف بن
--> ( 1 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 528 ) لعبد بن حميد . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 7 / 48 ) . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 23 / 82 ) وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 530 ) لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، والبيهقي في الشعب ، عن عبد اللّه بن عمير .