ابن عجيبة
601
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : تنسحب الآية من طريق الإشارة على من رام النهوض إلى اللّه ، بصحبة الرجال في طريق التجريد ، فينهاه رفقاؤه ، فيخالفهم ، وينهض إلى اللّه ، فإذا كان يوم القيامة رفع مع المقربين ، فيقول لهم : إني كان قرين ينكر طريق الخصوص ، وينهانى عن صحبتهم ، فيطلع عليه ، فيراه في أسفل الجنة ، مع عامة أهل اليمين ، فيحمد اللّه على مخالفته ، ويقول : لولا نعمة ربى لكنت من المحضرين معك . قال القشيري : فيقول الولىّ له : إن كدتّ لتردين ، لولا نعمة ربى . نطقوا بالحق ، ولكنهم لم يصرّحوا بعين التوحيد ؛ إذ جعلوا الفضل واسطة ، والأولى أن يقول : ولولا ربى لكنت من المحضرين . ثم يقول : لمثل هذا فليعمل العاملون . ثم قال : فإذا بدت شظية ، من الحقائق ، أو ذرة من نسيم القرية ، فبالحرىّ أن يقول القائل : لمثل هذا الحال تبذل الأرواح ، وأنشدوا : على مثل ليلى يقتل المرء نفسه * وإن بات من ليلى على اليأس طاويا « 1 » . ه . ثم قال تعالى : [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 62 إلى 74 ] أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ( 70 ) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ( 71 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ( 72 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 74 ) يقول الحق جل جلاله : أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ أي : أنعيم الجنة وما فيها من اللذات ، والطعام ، والشراب ، خير نزلا أم شجرة الزقوم ؟ النزل : ما يقدم للنازل من الرزق . و « نزلا » : تمييز ، وفي ذكره : تنبيه على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل ، ولهم من وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام ، وكذلك الزقوم لأهل النار . قال ابن عطية : في البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة ، مرّة ، مسمومة ، لها لبن ، إن مسّ جسم أحد تورّم ومات منه ، في غالب الأمر ، تسمّى شجرة الزقوم . والتزقم : البلع على شدة وجهد . ه . وفي
--> ( 1 ) البيت لمجنون ليلى . انظر : ديوانه : / 296 وتزيين الأسواق / 128 . وجاء في لطائف الإشارات : ( سلمى ) بدل ( ليلى ) .