ابن عجيبة

602

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الحديث : « لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم . فكيف بمن يكون الزقوم طعامه ! » « 1 » . وقال ابن عرفه : هذه الشجرة يحتمل أن تكون واحدة بالنوع ، فيكون كل جهة من جهات جهنم فيها شجرة ، أو : تكون واحدة بالشخص . ه . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ؛ محنة وعذابا لهم في الآخرة ، وابتلاء لهم في الدنيا . وذلك أنهم قالوا : كيف تكون في النار شجرة ، والنار تحرق الشجر ؟ ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويتلذذ بها - وهو السمندل - « 2 » كيف لا يقدر على خلق شجر في النار ، وحفظه من الإحراق ؟ إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ، قيل : منبتها في قعر جهنم ، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها ، وهذا يؤيد أنها واحدة بالشخص . طَلْعُها أي : حملها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ، الطلع للنخلة ، فاستعير لما يطلع من شجرة الزقوم من حملها ، وشبه برؤوس الشياطين للدلالة على تناهيه في الكراهة ، وقبح المنظر ؛ لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس ؛ لاعتقادهم أنه شرّ محض . وقيل : الشياطين : حيّات هائلة ، قبيحة المنظر ، لها أعراف يقال لها شياطين . وقيل : شبه بما استقر في النفوس من كراهة رؤوس الشياطين وقبحها ، وإن كانت لا ترى ، كما شبهوا سنان الرماح بأنياب أغوال ، كما قال امرؤ القيس : أيقتلني والمشرفىّ مضاجعى * ومسنونة زرق كأنياب أغوال « 3 » فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها أي : من طلع تلك الشجرة ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ مما يبلغهم من الجوع الشديد ، فيملؤون بطونهم منها مع تناهى بشاعتها ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها ؛ على أكلها ، أي : بعد ما شبعوا منها ، وغلبهم العطش ، وطال استقاؤهم ، لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ أي : لشرابا من غساق ، أو : حديد ، مشوبا بماء حار ، يشوى وجوههم ، ويقطع أمعاءهم ، في مقابلة ما قال في شراب أهل الجنة : وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ « 4 » وأتى ب « ثم » ؛ لما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة ؛ فإنّ الزقوم حار محرق ، وشرابهم أشد حرا وإحراقا .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي وصححه في ( صفة جهنم ، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار ، 4 / 609 ، ح 2585 ) ، وابن ماجة في ( الزهد ، باب صفة النار ، 2 / 446 ، ح 4325 ) وابن حبان ( ح 7470 ) والحاكم ( 2 / 294 ) وصححه ، من حديث ابن عباس - رضى اللّه عنهما . ( 2 ) السمندل : طائر إذا انقطع نسله ، وهرم ، ألقى نفسه في الجمر ، فيعود إلى شبابه . وقيل : هو دابة يدخل النار فلا تحرقه . انظر اللسان ( سمندل ، 3 / 2105 ) . ( 3 ) انظر : ديوان امرئ القيس ( ص 33 ) . والكامل ( 3 / 96 ) . . ( 4 ) الآية 27 من سورة المطففين .