ابن عجيبة

600

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قالَ ذلك القائل لمن معه في الجنة : هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ معي إلى النار ، لأريكم حال ذلك القرين . قيل : إن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى أهل النار . قلت : حال الجنة كله خوارق ، فيكشف لهم عن حال أهل النار كيف شاء . وقيل : القائل : هو اللّه ، أو : بعض الملائكة . يقول لهم : هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار ، لأريكم ذلك القرين ، أو : لتعلموا منزلتكم من منزلتهم . قال الكواشي : أو : إن المؤمن يقول لإخوانه من أهل الجنة : هل أنتم ناظرون أخي في النار ؟ ، فيقولون له : أنت أعرف به منا ، فانظر إليه . فَاطَّلَعَ على أهل النار فَرَآهُ أي : قرينه فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ؛ في وسطها . قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ؛ لتهلكنى بإغوائك . و « إن » مخففة ، واللام : فارقة ، أي : إنه قربت لتهلكنى ، وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي علىّ بالهداية ، والعصمة ، والتوفيق للتمسك بعروة الإسلام ، لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ معك ، أو : من الذين أحضروا العذاب ، كما أحضرته أنت وأمثالك . أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ، إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ، الفاء للعطف على محذوف ، أي : أنحن مخلّدون فما نحن بميتين ولا معذّبين . وعلى هذا يكون الخطاب لرفقائه في الجنة ، لما رأى ما نزل بقرينه ، ونظر إلى حاله وحال رفقائه في الجنة ، تحدّثا بنعمة اللّه . أو : قاله بمرأى من قرينه ومسمع ؛ ليكون توبيخا له ، وزيادة تعذيب ، ويحتمل أن يكون الخطاب لقرينه ، كأنه يقول : أين الذي كنت تقول في الدنيا من أنّا نموت ، وليس بعد الموت عقاب ولا عذاب ؟ كقوله : إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى « 1 » والتقدير : أكما كنت تزعم هو ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ، وما نحن بمعذّبين ، بل الأمر وقع خلافه ، وكان يقال له : نحن نموت ونسأل في القبر ، ثم نموت ونحيا ، فيقول : ما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذّبين . وقوله تعالى : إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . . إلخ ، يحتمل أن يكون من خطاب المؤمن لقرينه ، وأن يكون من خطاب اللّه تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام ، أي : إن هذا النعيم الذي نحن فيه لهو الفوز العظيم . ثم قال اللّه - عز وجل : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ أي : لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون ، لا للحظوظ الدنيوية ، المشوبة بالالآم ، السريعة الانصرام . أو : لمثل هذا فليجتهد المجتهدون ، ما دام يمكنهم الاجتهاد ، فإنّ الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء ، فبقدر ما يزرع هنا يحصد ثمّ ، وسيندم المفرط إذا حان وقت الحصاد .

--> ( 1 ) الآية 35 من سورة الدخان .