ابن عجيبة

6

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 1 ) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) قلت : « سورة » : خبر ، أي : هذه سورة ، وأشير لها ، مع عدم تقدم ذكره ؛ لأنها في حكم الحاضر المشاهد . وقرئ بالنصب على الاشتغال ، وجملة : ( أنزلناها ) ، وما عطف عليه : صفة لسورة ، مؤكد لما أفاده التنكير من الفخامة . و ( الزانية ) : مبتدأ ، والخبر : ( فاجلدوا ) ، ودخلت الفاء ؛ لتضمن المبتدأ معنى الشرط ؛ إذ اللام موصولة ، أي : والتي زنت والذي زنى فاجلدوا ، هذا مذهب المبرد وغيره ، والاختيار عند سيبويه : الرفع على الابتداء ، والخبر : محذوف ، أي : فيما فرض عليكم ، أو : مما يتلى عليكم : حكم الزانية والزاني ، وقدّم الزانية ؛ لأنها الأصل في الفعل ، والداعية فيها أوفر ، ولولا تمكينها منه لم يقع . وقيل : لمّا كان وجود الزنى في النساء أكثر ، بخلاف السرقة ، ففي الرجال أكثر ، قدّم الحق تعالى الأكثر فيهما . يقول الحق جل جلاله : هذه سُورَةٌ ، وهي الجامعة لآيات ، بفاتحة لها وخاتمة ، مشتقة من سور البلد . من نعت تلك السورة : أَنْزَلْناها عليك ، وَفَرَضْناها أي : فرضنا الأحكام التي فيها . وأصل الفرض : القطع ، أي : جعلناها مقطوعا بها قطع إيجاب . وقرأ المكي وأبو عمرو : بالتشديد ؛ للمبالغة في الإيجاب وتوكيده ، أو : لأن فيها فرائض شتى ، أو : لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم . وَأَنْزَلْنا فِيها أي : في تضاعيفها آياتٍ بَيِّناتٍ أي : دلائل واضحات ؛ لوضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها ؛ فإنها كسائر السور . وتكرير ( أنزلنا ) ، مع أن جميع الآيات عين السورة ؛ لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيص إنزالها بالذكر ؛ إبانة لخطرها ، ورفعا لقدرها ، كقوله تعالى : وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ « 1 » ، بعد قوله : نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ . لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي : لكي تتعظوا فتعملوا بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية إلى إجراء أحكامها . وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على بال منهم ، بحيث متى مست الحاجة إليها استحضروها .

--> ( 1 ) من الآية 58 من سورة هود .