ابن عجيبة
7
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم شرع في تفصيل أحكامها ، فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ؛ إذا كانا حرّين ، بالغين ، غير محصنين ، وألا تكون المرأة مكرهة . وظاهر الآية : عموم المحصن وغيره ، ثم نسخ بالسنة المشهورة . وقد رجم - عليه الصلاة والسلام - ماعزا وغيره . وعن علي رضي اللّه عنه : جلدتهما بكتاب اللّه ، ورجمتهما بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : نسخ بآية منسوخة التلاوة ، وهي : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة ؛ نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم ) ، ويأباه ما روى عن علي رضي اللّه عنه . ه . قاله أبو السعود . وشرط الإحصان : العقل ، والحرية ، والإسلام ، والبلوغ ، والتزوج بنكاح صحيح ، ودخول معتبر . وفي التعبير بالجلد ، دون الضرب ؛ إشارة إلى أنه لا يبالغ إلى أن يصل أثر الضرب إلى اللحم ، ولكن يخفف حتى يكون حد ألمه الجلد الظاهر . والخطاب للأئمة ؛ لأن إقامة الحدود من الدّين ، وهو على الكل ، إلا أنه لا يمكن الاجتماع ، فيقوم الإمام مقامهم ، وزاد مالك والشافعي مع الجلد : تغريب عام ، أخذا بالحديث الصحيح « 1 » . وقال أبو حنيفة : إنه منسوخ بالآية . وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ أي : رحمة ورقة . وفيها لغات : السكون ، والفتح مع القصر والمد ، كالنشأة والنشاءة ، وقيل : الرأفة في دفع المكروه ، والرحمة في إيصال المحبوب . فِي دِينِ اللَّهِ أي : في طاعته وإقامة حدوده ، والمعنى : أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين اللّه ، ولا يأخذهم اللين حتى يتركوا حدود اللّه . إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، هو من باب التهييج ، وإلهاب الغضب للّه ، ولدينه ، فإن الإيمان يقتضى الجد في طاعته ، والاجتهاد في إجراء أحكامه . وذكر اليوم الآخر ؛ لتذكير ما فيه العقاب في مقابلة المسامحة . وجواب الشرط : مضمر ، أي : إن كنتم تؤمنون باللّه فاجلدوا ولا تعطلوا الحد . قيل لأبى مجلز في هذه الآية : واللّه إنا لنرحمهم إن يجلد الرجل أو تقطع يده ، فقال : إنما ذلك في السلطان ، ليس له أن يدعهم رحمة لهم . وجلد ابن عمر جارية ، فقال للجلاد : ظهرها ورجليها وأسفلها ، وخفّف ، فقيل له : أين قوله : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ . . ؟ فقال : أأقتلها ؟ ، إنّ اللّه أمرني أن أضربها وأأدبها ، ولم يأمرني أن أقتلها . ه « 2 » . ويجرد للجلد إلا ما يستر العورة . وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما أي : وليحضر موضع حدّهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ؛ زيادة في التنكيل ، فإن التفضيح قد ينكل أكثر من التعذيب . قال بعض العلماء : ينبغي أن يقام بين يدي الحكام ، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم ؛ لأنه قيام بقاعدة شرعية ، وقربة تعبدية ، يجب المحافظة على فعلها ، وقدرها ، ومحلها ، وحالها ، بحيث
--> ( 1 ) أخرج البخاري في ( الشهادات ، باب شهادة القاذف والسارق والزاني ح 2649 ) عن زيد بن خالد : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام » . ( 2 ) أخرجه الطبري ( 18 / 67 ) .