ابن عجيبة
581
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ اليوم ، أي : أعميناهم وأذهبنا أبصارهم . والطمس : سد شق العين حتى تعود ممسوخة . فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ ، على حذف الجار ، وإيصال الفعل ، أي : فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه ، وبادروا إليه ؛ لما يلحقهم من الخوف ، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ؛ فكيف يبصرون حينئذ من جهة سلوكهم ، فيضلون في طريقهم عن بلوغ أملهم . وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ قردة ، وخنازير ، أو حجارة ، عَلى مَكانَتِهِمْ : على منازلهم ، وفي ديارهم ، حيث يأمنون من المكاره . والمكانة والمكان واحد ، كالمقامة والمقام . فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ ؛ فلم يقدروا على ذهاب ومجىء ، أو : مضيا أمامهم ، ولا يرجعون خلفهم . والمعنى : أنهم لكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن نفعل بهم ذلك ، لكنا لم نفعل ؛ لشمول الرحمة لهم ، واقتضاء الحكمة إمهالهم . وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ؛ نطل عمره نُنَكِّسْهُ « 1 » فِي الْخَلْقِ ؛ نقلبه فيه . وقرأ عاصم وحمزة بالتشديد . والنكس والتنكيس : جعل الشيء أعلاه أسفله . والمعنى : من أطلنا عمره نكسنا خلقه ، وهو نوع من المسخ ، فصار بدل القوة ضعفا ، وبدل الشباب هرما ، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده ، وخلو من عقل وعلم ، ثم جعلناه يتزايد إلى أن يبلغ أشده ، ويستكمل قوته ، ويعقل ، ويعلم ما له وعليه ، فإذا انتهى نكّسناه في الخلق ، فجعلناه يتناقص حتى يرجع إلى حال شبيهة بحال الصبىّ ، في ضعف جسده ، وقلّة عقله ، وخلوّه من العلم ، كما ينكس السهم ، فيجعل أعلاه أسفله . قال تعالى : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ « 2 » . قال ابن عباس : « من قرأ القرآن - أي وعمل به - لم يرد إلى أرذل العمر » . أَ فَلا يَعْقِلُونَ أنّ من قدر أن ينقلهم من الشباب إلى الهرم ، ومن القوة إلى الضعف ، ومن رجاحة العقل إلى الخرف وقلة التمييز ، قادر على أن يطمس على أعينهم ، ويمسخهم على مكانتهم ، ويبعثهم بعد الموت . الإشارة : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ، فلا يهتدون إلى طريق السلوك ، ولا يسلكونها ، فيبقوا في الحجاب على الدوام . ولو نشاء لمسخنا قلوبهم على مكانتهم ، من رجاحة العقل والفهم ، فلا يتدبرون إلا في الأمور الحسية ،
--> ( 1 ) قرأ عاصم وحمزة « ننكسه » بضم الأول ، وفتح الثاني ، وتشديد الثالث وكسره ، مضارع : ( نكّس ) ، للتكثير ، وقرأ الباقون بفتح الأول ، وإسكان الثاني ، وضم الثالث ، وتخفيفه . مضارع « نكسه » كنصره . انظر الإتحاف ( 20 / 404 ) . ( 2 ) الآية 70 من سورة النحل .