ابن عجيبة
582
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فلا يستطيعون مضيا في بلاد المعاني ، ولا رجوعا عن الحسيات . ومن نعمّره من هؤلاء ننكّسه في الخلق ، فيلحقه الخرف والضعف ، وأما من اهتدى إلى طريق السير ، وسلك بلاد المعاني ، فلا يزيده طول العمر إلا رجاحة في العقل ، وقوة في العلم ، وتمكينا في المعاني والمعرفة . قال القشيري : ومن نعمّره ننكّسه في الخلق : نرده إلى العكس ، فكما كان يزداد في القوة ، يأخذ في النقصان ، إلى أن يبلغ أرذل العمر ، فيصير إلى مثل حال الطفولية من الضعف ، ثم لا يبقى بعد النقصان شئ ، كما أنشدوا : طوى العصران ما نشراه منى * فأبلى جدتي نشر وطي أراني كلّ يوم في انتقاص * ولا يبقى مع النقصان شىّ « 1 » وهذا في الجثة والمباني ، دون الأحوال والمعاني ، فإن الأحوال - في حق الجثة - في الزيادة إلى بلوغ حد الخرف ، فيختلّ رأيه وعقله . وأصحاب الحقائق تشيب ذوائبهم ، ولكنّ محابّهم ومعانيهم في عنفوان شبابها ، وطراوة جدّتها . ه . ثم أنكر على من رمى القرآن بكونه شعرا ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 69 إلى 70 ] وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ ( 70 ) يقول الحق جل جلاله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ أي : وما علّمنا نبينا محمدا الشعر ، حتى يقدر أن يقول شعرا ، فيتهم على القرآن ، أو : وما علّمناه بتعلم القرآن الشعر ، على معنى : أن القرآن ليس بشعر ، فإنه غير مقفّى ولا موزون ، وليس معناه ما يتوقاه الشعراء من التخييلات المرغبة والمنفرة ونحوها . فأين الوزن فيه ؟ وأين التقفية ؟ فلا مناسبة بينه وبين كلام الشعراء ، وَما يَنْبَغِي لَهُ أي : وما يليق بحاله ، ولا يتأتى له لو طلبه ، أي : جعلناه بحيث لو أراد قرض الشعر لم يتأتّ له ، ولم يسهل ، كما جعلناه أمّيا لم يهتد إلى الخط ؛ لتكون الحجة أثبت ، والشبهة أدحض .
--> ( 1 ) نسب البيتان إلى محمد بن يعقوب بن إسماعيل ، كما في كتاب الوافي بالوفيات ( 5 / 222 ) . ونسبا إلى أبى بكر بن أبي الدنيا ، كما في تاريخ بغداد ( 14 / 311 ) .