ابن عجيبة

578

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : إنّ أصحاب الجنة المعجّلة لأوليائه ، اليوم ، في شغل كبير ، لا تجدهم إلا مشتغلين باللّه ، بين شهود واستبصار ، وتفكر واعتبار ، في محل المشاهدة والمكالمة ، والمناجاة والمساررة ، أوقاتهم محفوظة ، وحركاتهم وسكناتهم بالإخلاص ملحوظة ، فهم في شغل شاغل عن الدنيا وأهلها ، هم ومن تعلق بهم في ظلال الرضا ، وبرد التسليم يرتادون ، وفي مشاهدة وجه الحبيب يتنعمون . قال القشيري : إن أصحاب الجنة اليوم ، أي : طلابها ، والساعون لها ، والعاملون لنيلها ، ولمثل ذلك فليعمل العاملون ، فهم في الدنيا في طلب الجنة عن المنعم بها ، كما جاء في الحديث : « أكثر أهل الجنة البله » « 1 » ، ومن كان في الدنيا عن الدنيا حرّا ، فلا يبعد أن يكون في الجنة عن الجنة حرا ، « يختص برحمته من يشاء » - قلت : فالبله هم أهل الحجاب ، الذين يعبدون اللّه لطلب الجزاء ، ويقنعون بالنعيم الحسى - ثم قال : ويقال : الحقّ تعالى لا يتعلّق به حقّ ولا باطل ، فلا تنافى بين اشتغالهم بلذاتهم مع أهليهم ، وبين شهودهم مولاهم ، كما أنهم اليوم مستديمون لمعرفته ، بأي حالة كانت . ولا يقدح اشتغالهم باستيفاء حظوظهم ، في معارفهم . ه . مختصرا . قلت : وما في سورة الواقعة ، من ذكر نعيم السابقين ، يدلّ على أنهم يجتمع لهم نعيم الحور والولدان ، مع نعيم العيان والرضوان ؛ لأنهم في الدنيا جمعوا بين القيام بوظائف الشريعة ، ومعاينة أسرار الحقيقة . واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ قال ابن عطاء : السلام جليل عظيم الخطر ، وأجلّه خطرا ما كان وقت المشاهدة والمصافحة ، حين يقول : سلام قولا من رب رحيم . قال القشيري : الرحمة في ذلك الوقت أن يبقهم في حال سماع السلام ، أو حال اللقاء ، لئلا تصحبهم دهشة ، ولا تلحقهم حيرة . ه . وقال الورتجبي : سلام اللّه أزلي الأبد ، غير منقطع عن عباده الصالحين ، في الدنيا والآخرة ، لكن في الجنة ترفع عن آذانهم جميع الحجب ، فسمعوا كلامه ، ونظروا إلى وجهه كفاحا . ه . قلت : وقد يرفع في دار الدنيا ، فيسمع سلام اللّه على عباده ، كما وقع لبعض الأولياء - . قيل : وفي قوله : رَحِيمٍ إشارة إلى عدم حجبهم عن جماله أبدا ، مع الإبقاء عليهم في حال السلام واللقاء ، فلا تصحبهم دهشة ، كما تقدم . وقيل : الإشارة في الرحيمية : أن ذلك الوصول ليس باستحقاق ولا سبب من فعل العبد ، وإنما هو بالرحمة ، فيكون للعاصي فيه نفس ومساغ للرجاء . قاله المحشى .

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( 2 / 120 - 126 ، ح 1366 ) من حديث جابر رضي اللّه عنه قال البيهقي معقبا : هذا الحديث بهذا الإسناد منكر . كما أخرجه البيهقي في الموضع نفسه ( ح 1367 ) والديلمي ( الفردوس ح 1463 ) ، وعزاه في الكنز ( ح 39283 ) للبزار ، من حديث أنس بن مالك . وقال العراقي في المغني ( 3 / 20 ) : أخرجه البزار ، من حديث أنس وضعّفه ، وصححه القرطبي في التذكرة ، وليس كذلك ، فقد قال ابن عدي : إنه منكر . راجع الكامل لابن عدى ( 3 / 1160 ) والعلل المتناهية ( 2 / 934 ) . قلت : قال في النهاية في غريب الحديث ( 1 / 155 ) : « البله » هو جمع الأبله . وهو الغافل عن الشر ، المطبوع على الخير ، وقيل : هم الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحسن الظن بالناس ؛ لأنهم أغفلوا أمر ديناهم ، فجهلوا حذق التصرف فيها ، وأقبلوا على آخرتهم ، فشغلوا أنفسهم بها ، فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهل الجنة . فأما الأبله ، وهو الذي لا عقل له ، فغير مراد في الحديث .