ابن عجيبة

579

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقوله : وَامْتازُوا الْيَوْمَ إشارة إلى أن غيبة الرقيب من أتم النعمة ، وإبعاد العدوّ من أجلّ العوارف ، فالأولياء في إيجاب القربة ، والأعداء في العذاب والحجبة . انظر القشيري . ثم ذكر توبيخ أعدائه يوم القيامة ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 60 إلى 65 ] أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 64 ) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 65 ) يقول الحق جل جلاله ، في توبيخ الكفرة يوم القيامة : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ، يقال : عهد إليه : إذا وصّاه . وهذا العهد إما على ألسنة الرسل ، أو : يوم : « ألست بربكم » ، أو : ما نصبه لهم من الحجج العقلية ، والدلائل السمعية ، الآمرة بعبادته ، الزاجرة عن عبادة غيره . وعبادة الشيطان : طاعته فيما يوسوس به إليهم ، ويزيّنه لهم . وَأَنِ اعْبُدُونِي : عطف على « ألّا تعبدوا » ، أي : عهدنا إليكم ألّا تطيعوا الشيطان ووحّدونى ، وأطيعونى ، هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارة إلى ما عهد إليهم فيه من معصية الشيطان ، وطاعة الرحمن ، أي : هذا طريق بليغ في الاستقامة ، لا طريق أقوم منه . وفيه إشارة إلى جنايتهم على أنفسهم بعد النصح التام ، فلا حجة بعد الإعذار ، ولا ظلم بعد التذكير والإنذار . وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا أي : خلقا كَثِيراً - وفيه لغات مذكورة في كتب القراءات - أي : ولقد أتلف الشيطان عن طريقي المستقيم خلقا كثيرا ، بأن أشركوا معي غيرى ، أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ، قرّعهم على تركهم الانتفاع بالعقل ، الذي ركّبه فيهم ، حيث استعملوه فيما يضرهم ، من تدبير حظوظهم وهواهم . هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بها ، اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي : ادخلوا واحترقوا فيها ، بكفركم وإنكاركم لها . الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ أي : نمنعهم من الكلام ، وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . يروى : أنهم يجحدون ، ويخاصمون ، فتشهد عليهم جيرانهم ، وأهاليهم ، وعشائرهم ، فيحلفون : ما كانوا