ابن عجيبة
577
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : والتحقيق أن شغل أهل الجنة مختلف ، فمنهم من هو مشتغل بنعيم الأشباح ، من حور ، وولدان ، وأطعمة ، وأشربة ، على ما يشتهى ، ومنهم من هو مشتغل بنعيم الأرواح ، كالنظر لوجه اللّه العظيم ، ومشاهدة الحبيب ، ومناجاة ومكالمات ، ومكاشفات ، وترقّيات في معاريج الأسرار كل ساعة . ومنهم من يجمع له بين النعيمين ، وسيأتي في الإشارة . وقوله تعالى : فاكِهُونَ أي : متلذذون في النعمة ، والفاكه والفكه : المتنعم ، ومنه : الفكاهة ؛ لأنه مما يتلذّذ به ، وكذا الفاكهة . ثم قال تعالى : هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ ؛ جمع ظل ، وهو : الموضع الذي لا تقع عليه الشمس . وفي قراءة « ظلل » بالضم ، جمع ظلة ، كبرمة وبرام ، وهو ما يسترك عن الشمس ، وظل أهل الجنة لا تنسخه شمس ، قال تعالى : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ « 1 » عَلَى الْأَرائِكِ : جمع أريكة ، وهي السرير في الحجلة . فالأرائك : السرر المفروشة ، بشرط أن تكون عليها الحجلة ، وإلا فليست بأريكة ، والحجلة : ما يستر السرير من ثوب الحرير . وهم مُتَّكِؤُنَ عليها كالملوك على الأسرة . لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ كثيرة مما يشتهون . وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ أي : كل ما يدعونه يأتيهم فورا ، فوزنه : يفتعلون ، من الدعاء ، أو : ما يتمنون من نعيم الأشباح والأرواح ، من قولهم : ادّع علىّ ما شئت ، أي : تمنّه . وقال الفراء : هو من الدعوى ، ولا يدّعون إلا ما يستحقون . سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ أي : من أهم ما يدعون : سلام يقال لهم قولا من رب رحيم ، بلا واسطة ؛ مبالغة في تعظيمهم ، وذلك غاية متمناهم ، مضافا لرؤيته ، ومن مقتضى الرحمة : الإبقاء عليهم مع ذلك . قال القشيري : يسمعون كلامه وسلامه بلا واسطة ، وأكّد بقوله : قَوْلًا . وبقوله : مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ليعلم أنه ليس على لسان سفير ، والرحمة في تلك الحالة أن يرزقهم الرؤية في حال التسليم عليهم ، ليكمل لهم النعمة ه . وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وسلم : « بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الربّ قد أشرف عليهم من فوقهم ، فيقول : السلام عليكم يا أهل الجنة ، فينظر إليهم ، وينظرون إليه » « 2 » . ثم ذكر أهل البعد والحجاب ، فقال : وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أي : انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة ، وذلك حين يحشر المؤمنون ، ويساق بهم إلى الجنة . وقال قتادة : عزلوا عن كل خير . وعن الضحاك : لكل كافر بيت من النار ، يكون فيه ، لا يرى ولا يرى أبدا . ه .
--> ( 1 ) الآية 30 من سورة الواقعة . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في ( المقدمة ، باب فيما أنكرت الجهمية 1 / 66 ، ح 184 ) وزاد السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 501 ) عزوه لابن أبي الدنيا ، في صفة الجنة ، والبزار ، وابن أبي حاتم ، والآجري في الرؤية ، وابن مردويه ، عن سيدنا جابر رضي اللّه عنه .