ابن عجيبة
575
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَيَقُولُونَ - استهزاء - : مَتى هذَا الْوَعْدُ أي : وعد البعث والقيامة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تقولون . خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه . قال تعالى : ما يَنْظُرُونَ ؛ ينتظرون إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي : النفخة الأولى ، تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ؛ يختصمون ، يخصم بعضهم بعضا في المعاملات ، لا يخطر ببالهم أمرها ، فتأتيهم بغتة . وقرأ حمزة - بسكون الخاء - من : خصمه : إذا غلبه في الخصومة . وفتح الباقون ، مع الاختلاس والنقل وعدمهما . فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ؛ فلا يستطيعون أن يوصوا في أمورهم بشئ ، وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ؛ ولا يقدرون على الرجوع إلى منازلهم ، بل يموتون حيث يسمعون الصيحة . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ النفخة الثانية ، بعد خلو الأرض أربعين سنة . والصور : القرن ، أو : جمع صورة . فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ ؛ القبور إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ؛ يسرعون في المشي إلى المحشر . قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا ؛ من أنشرنا مِنْ مَرْقَدِنا ؛ مضجعنا ؟ . قال مجاهد وأبىّ بن كعب : للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم ، فإذا صيح بأهل القبور ، قالوا يا ويلنا من بعثنا ؟ وأنكره ابن عطية ، وقال : إنما هو استعارة ، كما تقول في قتيل : هذا مرقده إلى يوم القيامة . فتقول الملائكة في جوابهم : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ، أو يقوله المؤمنون ، أو : الكفار ، يتذكرون ما سمعوه من الرسل ، فيجيبون به أنفسهم ، أو بعضهم بعضا . و « ما » : مصدرية ، أي : هذا وعد الرحمن وصدق المرسلين ، على تسمية الموعود والمصدوق فيه بالوعد والصدق . أو : موصولة ، أي : هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون ، أي : والذي صدق فيه المرسلون . إِنْ كانَتْ النفخة الأخيرة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ للحساب ، ثم يقال لهم في ذلك اليوم : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من خير أو شر . الإشارة : إذا كبر يقين العبد صارت عنده الأمور المستقبلة واقعة ، والآجلة عاجلة ، فيستعد لها قبل هجومها ، ويتأهب للقائها قبل وقوعها ، أولئك الأكياس ، الذين نظروا إلى باطن الدنيا ، حين نظر الناس إلى ظاهرها ، واهتموا بآجالها ، حين اغتر الناس بعاجلها ، كما في الحديث في صفة أولياء اللّه .