ابن عجيبة
569
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يا من تصدّى لعلم الأصل يحكمه * قد فاتك الذوق بالوجدان مستأنسا . الإشارة : وآية لهم النفس الميتة بالجهل أحييناها بالعلم ، وأخرجنا منها علما لدّنيا ، فمنه تتقوت القلوب والأرواح ، وجعلنا فيها جنات المعارف ، من نخيل الحقائق ، وأعناب الشرائع ، وفجّرنا فيها من عيون الحكم ، ليأكلوا من ثمره ، ومما عملته أيديهم ، من المجاهدات والمكابدات ، فإنها تثمر المشاهدات . سبحان الذي خلق الأزواج كلها من الأحوال ، والمقامات ، والعلوم ، والمعارف ، مما يستخرج من النفوس والأرواح ، ومما لا يعلمه إلا اللّه . ثم ذكر برهانا آخر ، فقال : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 37 إلى 40 ] وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 40 ) يقول الحق جل جلاله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ؛ نخرج منه النهار ، إخراجا لا يبقى معه شئ من ضوء النهار . مستعار من : سلخ الجلد عن الشاة ، أو : ننزع عنه الضوء نزع القميص الأبيض ، فيعرى نفس الزمان ، كشخص أسود ، نزع عنه قميص أبيض ؛ لأن أصل ما بين السماء والأرض من الهواء : الظلمة ، فاكتسى بعضه ضوء الشمس ، كبيت مظلم أسرج فيه ، فإذا غاب السراج أظلم . فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ؛ داخلون في الظلام . وَ آية لهم أيضا الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ؛ لحدّ لها مؤقّت ، تنتهى إليه من فلكها في آخر السنة . شبهت بمستقرّ المسافر إذا انتهى سفره ، أو : لحدّ لها من مسيرها كلّ يوم في مرائي عيون الناس ، وهو المغرب . وفي الحديث الصحيح - من طريق أبي ذر - : « إنها تسجد كل يوم تحت العرش ، فتستأذن ، فيؤذن لها ، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها ، فتطلع من مغربها » ، ذرّ قال صلى اللّه عليه وسلم : « وذلك قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها » « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( بدء الخلق ، باب صفة الشمس والقمر ، ح 3199 ) ومسلم في ( الإيمان ، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ، 1 / 139 ح 251 ) من حديث أبي ذر رضي اللّه عنه .